خط بارليف إلى الجدار الفولاذي...
الإثنين ٠٤ يناير ٢٠١٠
٠٢:٠٧ بتوقيت غرينتش
لست أظن ـ ولا أظن أن عربياً واحداً يظن ـ أن الجنود المصريين حطموا خط بارليف، أشد حصون إسرائيل مناعة في تاريخها، كمقدمة لإقامة جدار فولاذي ليكون حصناً منيعاً مصرياً يستكمل الحصار الإسرائيلي على غزة.
لم تكن حرب تشرين 1973 بأي حال مقدمة لعزل غزة عن مصر والعالم.. بل عن الحياة.
إن مصر التي تحتفل سنوياً بذكرى «انتصار اكتوبر» كما لا تحتفل بأي ذكرى أخرى في تاريخها الحديث والقديم كله، قصدت أن تمهد نتائج هذا الانتصار العظيم لعزلة الشعب الفلسطيني وحصاره فلا يعود شريان الحياة يمتد من مصر إلى غزة.. ولا تعود مصر مرئية لأهل غزة كما كانت دائماً عوناً لهم في الحرب والسلام، في المقاومة وفي انتظار حرب مقاومة أخرى ضد إسرائيل.
لقد حاولنا جهدنا أن نفصل بين «انتصار اكتوبر» الذي بدأ بتحطيم خط بارليف واجتيازه وبين النتائج السياسية التي جاءت بعد أن سكتت أصوات مدافع اكتوبر وحلت محلها أصوات كؤوس الاحتفال في واشنطن بتوقيع اتفاقات كامب ديفيد.
حاولنا ـ قدر الجهد وقدر ما سمحت لنا قدرتنا على تطويع المنطق للواقع ـ أن نفصل بين شجاعة جيش مصر ومخططيه الأفذاذ الذين خلقوا المفاجأة الكبيرة لإسرائيل، التي احتكرت المفاجآت في الحروب السابقة، وبين جرأة ساسة مصر بقيادة أنور السادات على سحب نتائج المفاجأة الكبرى من تحت أقدام الجنود، لتتحول إلى سلام بإشراف الحليف الاستراتيجي الأكبر لإسرائيل: الولايات المتحدة الأميركية.
حاولنا ـ قدر ما أتاح التناقض الواضح بين نتائج حرب اكتوبر العسكرية ونتائجها السياسية أن نحتفظ لمصر بحقها في الفخر بما أنجزته على أرضها، وفي سمائها حين أكدت قدرتها على تحطيم وجود الاحتلال الإسرائيلي على ضفة ـ وبعد ذلك على ضفتي ـ قناة السويس ـ وأن تحتفظ لمصر بدورها العربي في مرحلة جديدة تبنى على مجد حرب اكتوبر وليس على نتائجها السياسية.
غير أن ثلاثين عاما من سياسات النظام المصري قلّصت شيئا فشيئا من نتائج مجد اكتوبر، وضخمت في الوقت نفسه واقع النتائج السياسية التي استطاعت إسرائيل والولايات المتحدة أن تفرضها على مصر وعلى الواقع العربي.
في البداية لم يبد من كامب ديفيد إلا ما يوازي الجزء الظاهر فوق الماء من جبل الجليد. وشيئاً فشيــئاً أخذ يظـهر جبل جليد كامب ديفيد كاملا أو شبه كامل يؤكد أن النتائج العسكرية خلقت واقعا لحظيا، لكن النتائج الــسياسية أوجدت واقعا متعدد الجوانب فيه التطبيع الرسمي مع إسرائيل ـ وإن غاب التطبيع الشعبي بفعل مقاومة الشعب المصري ومنظماته الأهلية ـ وفيه اتفاقـات بيع الــغاز الطبيعي المصري بأرخص الأسعار لإسرائيل رغم المعارضة الشعبية القوية، وفيه التحالف الاستراتيجي مع الحليف الاستراتيجي لإسرائيل، وفيه مناورات «النجم الساطع» مع القوات الأميركية، وفيه معارضة المقاومة الفلسطينية ومعارضة المقاومة اللبنانية، وفيه الامتناع عن الاعتراف بفوز حماس في الانتخابات الديمقراطية لأن إسرائيل لم تعترف به ولأن أميركا رفضته، وفيه قبول ـ بل تأكيد ـ الحصار الإسرائيلي لغزة وبعده الحرب الإسرائيلية على القطاع، بكل ما ارتكب فيها من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية... وفيه وفيه...
مع ذلك فإن الجدار الفولاذي بين مصر وغزة لم يكن ليخطر ببال أحد.
إن فكرة الجدار الفولاذي تبدو إسرائيلية ولا تبدو أبدا فكرة مصرية. فإن تاريخاً يمتد لآلاف السنين من العلاقات والحدود المفتوحة بين مصر وغزة لم يشهد شيئا مماثلا. ولكن الجدار الفولاذي يستمد فكرته من الجدار العنصري الذي أقامته إسرائيل ولا تزال تمد فيه داخل أراضي فلسطين لتمزق فلسطين جغرافياً وتاريخياً وسياسياً واجتماعياً.
جدار الفولاذ بين مصر وإسرائيل وإن لم يصل مكانياً إلى أي نقطة اتصال مع الجدار العنصري الإسرائيلي في الضفة الغربية هو امتداد أساسي وسياسي له.. إنما لا يكتفي بتمزيق ما بين الفلسطينيين من اتصال، فيقوم بوجه كل ما بقي من اتصال بين مصر وفلسطين.
هل يمكن أن يكون الجدار الفولاذي في وجه الفلسطينيين والمصريين ـ من أي من جانبيه ـ أقوى مما كان خط بارليف في وجه المصريين.
إن الإرادة التي استطاعت أن تبني مئات الأنفاق لتتغلب على إغلاق الحدود الوحيدة التي كان ينبغي أن تظل مفتوحة بين مصر وغزة لن تعجز عن تخطي الجدار الفولاذي. مزيد من الجهد للحفر في مزيد من العمق ولا يصبح الجدار الفولاذي حائلا دون العبور في الاتجاهين.
تتواصل أعمال البناء في هذا الجدار لتقترب، من الكتلة السكنية لمدينة رفح، في وقت بدأ فيه الحديث عن إزالة المنازل الواقعة بين العلامات الحدودية.. وهي المناطق التي تضم اكبر عدد من الأنفاق بسبب انهيارات أرضية متوقعة. وحسب صحيفة «الشروق» المصرية، نقلاً عن مصادر مطلعة في رفح، فإن هذه المصادر «قللت من تأثير الجدار الفولاذي على إنشاء الأنفاق، مشيرة إلى أن الإنفاق تكون على عمق ثلاثين مترا وهو عمق لا تصل إليه الألواح الفولاذية التي تصل إلى 18 مترا فقط. لكن التأثير الحقيقي هو عمليات تثبيت الألواح ال