لماذا فشلت فرنسا في دبلوماسية الصفقات مع الامارات؟
السبت ٠٢ يناير ٢٠١٠
١٠:٣٢ بتوقيت غرينتش
إذا كانت الأوساط الفرنسية لم تفاجأ قبل أيام بفشل باريس في الفوز بعقود أساسية لاستخراج النفط من العراق بسبب عدم نسيان الطبقة الحاكمة في بغداد معارضة العاصمة الفرنسية سياسة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الهادفة لقلب نظام الرئيس العراقي السابق صدام التكريتي، فإن الدهشة أصابت هؤلاء منذ أن أعلنت حكومة أبو ظبي عن رسو مناقصة بناء أربعة مفاعلات نووية مدنية على مجموعة عالمية برئاسة كوريا الجنوبية ومشاركة أميركية فاعلة.
ففي الحالة الأولى يمكن تفهم موقف السلطات في بغداد نظرا للعلاقات الوطيدة التي كانت تربط باريس بصدام ، ولانعكاسات الحرب على العراق وغيرها من العوامل. وإذا لم تنفع الزيارات غير المسبوقة التي قام بها رئيسا الجمهورية نيكولا ساركوزي ورئيس حكومته فرنسوا فييون الى العراق في حجز مكان متقدم لبلادهما في عملية المنافسة التجارية والصناعية مع الشركات الأجنبية الأخرى والفوز بالتالي بعقد مهم لاستخراج النفط من قبل شركة توتال إلا أن هذه الزيارات بنت أسسا لإنطلاقة جديدة بين باريس وبغداد.
أما في حالة الامارات العربية المتحدة فالأمر يدعو الى التساؤل حول الأسباب الحقيقية لفشل "دبلوماسية العقود التجارية" التي رفعها ساركوزي في أثناء قيامه بعدد من الزيارات الى دول المنطقة. فالعلاقات وثيقة جدا ومنذ عشرات السنين بين باريس وأبو ظبي ومجالات الاستثمار والمنافسة مفتوحة على مصراعيها في الامارات.
بالطبع كان الرؤساء السابقون كجاك شيراك وفرنسوا ميتران يصطحبون معهم كبار رؤساء الشركات الفرنسية لتسويق بضاعتهم وإجراء إتصالات مع أصحاب القرار السياسي والاقتصادي إلا أن الفارق مع ساركوزي هو تسرعه في الاعلان عن صفقات وعقود محتملة قبل أن تنضج فعلا. كما لم تنفع عملية نقل بيدقه المتقدم في مواجهة إيران حين إفتتح أول قاعدة عسكرية فرنسية في أبو ظبي بغية كسب "معركة" بناء أربعة مفاعلات نووية في الخليج الفارسي مقدمة للفوز بمثلها هنا وهناك.
ويبدو أن المجموعة الفرنسية التي تضم شركات الكهرباء والغاز وتوتال وأريفا كانت مقتنعة تماما بفوزها شبه المؤكد مع العلم أن الأسعار التي قدمتها في العرض كانت أغلى من تلك التي إقترحتها مجموعة كوريا الجنوبية.
ولقد حرص قصر الايليزيه في الاسابيع القليلة الماضية على عقد إجتماعات تنسيق برئاسة الأمين العام للرئاسة الفرنسية من أجل سد الثغرات وبالتالي الفوز بهذا العقد الذي يبلغ 20 مليار دولار و 400 مليون دولار. كما قدموا عرضا جديدا بأقل عشرة في المئة عن العرض الأول وراهنوا على الاتصالات الرفيعة المستوى التي سوف يجرونها في الفصل الأول من العام المقبل موعد الحسم النهائي للعروض من قبل السلطات في أبو ظبي. لكن النتيجة التي أعلنت قبل يومين بطريقة مسبقة في أثناء زيارة رئيس كوريا الجنوبية فاجأت الاوساط الفرنسية المتابعة وزادت من نسبة الاحباط.
يذكر أن الكونسورسيوم الكوري الجنوبي والأميركي الذي يضم شركة كهرباء كوريا وويستنغهاوس الأميركية وتوشيبا اليابانية وهونداي ودوسان هايفي فاز بمناقصة لبناء وتأمين تشغيل المفاعلات النووية الأربعة المدنية بطاقة مقدار كل واحد منها ألف و400 ميغاوات.
بالطبع شكلت هذه الصفقة ضربة لسياسة فرنسا التي كانت تحاول تسويق مفاعل "أو بي إر" المتطور على الساحة الدولية في هذه المنافسة الشرسة إلا أنها فشلت في هذه الجولة الأولى مع العلم ان المسؤولين الفرنسيين عزوا سبب إرتفاع أسعار عرضهم الى كلفة نظام الأمان النووي الذي يتمتع به هذا المفاعل المتطور.
ومن المعلوم أن الشركات الفرنسية خاضت منذ سنتين معركة للفوز بهذه الصفقة التي لو حصلت لكانت أطلقت سياسة ساركوزي في هذا الميدان على الصعيد الدولي لاسيما وأنه وضع النووي المدني في أولوياته الخارجية. ولم تنفع عملية دخول شركة كهرباء فرنسا لمؤازرة شركات آريفا والغاز وتوتال وإعادة تصويب العرض الفرنسي وخفض كلفته فجاءت كلها متأخرة.
*جورج ساسين