المأزق الفلسطيني بين العبث وبين المواجهة
الثلاثاء ٢٩ ديسمبر ٢٠٠٩
١٢:٣٤ بتوقيت غرينتش
يكاد الوضع الفلسطيني يقترب من لحظة انفجار كمخرج وحيد من مأزق الحصار السياسي الذي يضيق أكثر فأكثر على رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية وسلطة الحكم الذاتي المحسوبة عليها وحركة فتح المفترض أنها تقود المنظمة والسلطة معا، وكمخرج أيضا من مأزق الحصار العسكري الذي يهدد الجدار الفولاذي الذي يبنيه سلاح المهندسين الأميركي تحت الأرض على الحدود المصرية المشتركة مع قطاع غزة بتحويله إلى حصار محكم لا ثغرات فيه تحت الأرض أو فوقها، بينما تحول بناء هذا الجدار إلى عامل جديد يزيد من تفاقم الاصطراع العبثي بين طرفي الانقسام الفلسطيني، حيث ينفخ الاحتلال الإسرائيلي وحليفه الأميركي في رماد هذا الاصطراع كلما بدا لهم أنه همد من أجل حرف أي انفجار فلسطيني إن وقع عن المواجهة مع الاحتلال إلى مواجهة فلسطينية - فلسطينية أو مواجهة فلسطينية - عربية.
ويستشعر الفلسطينيون جميعا وفي مقدمتهم طرفا الانقسام المأزق الذي يحاصرهم جميعا، لكن هذا المأزق وخطر انفجار الوضع الراهن الذي لم تعد أموال المانحين قادرة على ضمان استمراره ليسا كافيين كما تشير كل الدلائل إلى دفع القيادات الفلسطينية إلى الارتفاع إلى مستوى المسؤولية الوطنية لإدراك أن وحدتهم الوطنية هي ملاذهم الوحيد للخروج من المأزق وللتصدي لأي مواجهة مع الاحتلال الذي يبدو مصمما على دفع الوضع الفلسطيني نحو انفجار يجعل مثل هذه المواجهة حتمية، اللهم إلا إذا حدثت معجزة تقود إلى انفراج يمنع الانفجار والمواجهة الحتمية اللاحقة له، غير أن احتمال حدوث معجزة كهذه هو "صفر" كما قال غيرشون باسكين من مركز إسرائيل - فلسطين للأبحاث والإعلام في ندوة البحر الميت التي رعاها الروس الأسبوع الماضي.
إن مقتل مستوطن إسرائيلي من إحدى المستعمرات الاستيطانية القريبة من نابلس بالضفة الغربية، لأول مرة منذ فترة طويلة نسبيا، وما أعقب ذلك من انفلات رعاع المستوطنين ضد ممتلكات الأهالي الفلسطينيين المسالمين في الجوار ثم اغتيال ثلاثة شهداء فلسطينيين إثر اقتحام قوات الاحتلال لمدينة نابلس، واستشهاد ثلاثة آخرين من مواطنيهم برصاص هذه القوات وهم يحاولون عبور حاجز بيت حانون (إيريز) على حدود قطاع غزة مع الاحتلال، خلال الأيام القليلة الماضية، ما هي إلا مؤشرات تحذير من انفجار متوقع. في مقابلة له مع الوول ستريت جورنال الأميركية في الثاني والعشرين من الشهر الجاري حذر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس تحذيرا غير مباشر من انتفاضة فلسطينية محتملة عندما تعهد بأن لن يسمح "لأحد ببدء انتفاضة جديدة، أبدا، أبدا"، لكنه استدرك بأن سيمنع ذلك "طالما أنا في منصبي، أما إذا تركت، فإنها لا تعود مسؤوليتي، ولا استطيع أن أقدم أي ضمانات.
" وفي مواجهة الخطر المحدق، يبدو المشهد الفلسطيني عبثيا، وعدو نفسه، كما تشير محاولة ربط بدء أي انتفاضة ببقاء أو عدم بقاء عباس في منصبه، فمن تجربة الانتفاضتين الفلسطينيتين السابقتين يدرك أي مراقب بأن الانتفاضة لا تستأذن أحدا لكي تنطلق. وتزداد عبثية المشهد الفلسطيني عبثا عندما يسارع عضو اللجنة المركزية لحركة فتح ورئيس كتلتها في المجلس التشريعي، عزام الأحمد، إلى محاولة حرف أي انتفاضة حذر منها عباس وتعهد بمنعها وتختمر تحت السطح حاليا ضد الاحتلال بالدعوة بدلا من ذلك إلى "انتفاضة ضد حماس" في القطاع المحاصر، ليتسرع القيادي في حماس يحيى موسى في الانجرار إلى فخ الاحتلال الذي وقع فيه الأحمد بالدعوة إلى "انتفاضة" ضد السلطة بالضفة، ليبدو الوضع الراهن الفلسطيني، إعلاميا في الأقل، وكأنما يساهم في مجموعه، بوعي أو دون وعي، في "تآمر" على انتفاضة وطنية واقعية محتملة ضد الاحتلال والوضع الفلسطيني الراهن.
وبينما تحاول حكومة الاحتلال برئاسة بنيامين نتنياهو جهدها لتحويل أنظار الرأي العام العالمي بعيدا عن الوضع الفلسطيني المتفجر إلى خطر "عسكري" نووي إيراني ما زال يفتقد الحد الأدنى من الأدلة لإثباته ، وبينما نجح نتنياهو في تجنيد إدارة باراك أوباما الأميركية لصالح أجندته التي تضع هذا الخطر المفترض على رأس جدول أعمال المجتمع الدولي، ينزلق قطاع غزة ومصر نحو مواجهة إعلامية وسياسية قد تتطور إلى ما هو أخطر تخدم جهود الاحتلال لتحويل الأنظار بعيدا عن سياساتها التي قادت إلى المأزق الراهن في بعده الفلسطيني الداخلي وفي "عملية السلام" وفي إحكام الحصار وتشديد العقوبات الجماعية المفروضة على قطاع غزة وأهله.
فعلى سبيل المثال، قال مسؤولون مصريون ل"الأهرام ويكلي" في عددها الأخير إن الوضع "متوتر" على الحدود المصرية الفلسطينية، وإن "الأمن المصري لديه أدلة مادية على أن ناشطين من حماس شقوا طريقهم عبر الأنفاق" إلى شبه جزيرة سيناء، وإن "هذه العناصر موجودة هناك لاختبار الأرض لعبور واسع لآلاف من الفلسطينيين للحدود" للاحتجاج على بناء الجدار الفولاذي. في الحادي والعشرين من الشهر قالت ستة عشر منظمة حقوق إنسان عالمية من العاصمة الفرنسية باريس إن "المجتمع الدولي قد خان" الشعب الفلسطيني في غ