قمة المناخ في كوبنهاغن ومستقبل الأمم المتحدة
الإثنين ٢٨ ديسمبر ٢٠٠٩
٠٢:٠١ بتوقيت غرينتش
لقد كان مشهداً غير عادي: فقد دلف زعماء أكثر من 20 بلداً، بمن فيهم الرئيس الأميركي باراك أوباما ورؤساء معظم اقتصادات العالم الكبرى وبصحبة كل منهم مستشار أو اثنان إلى غرفة صغيرة في الأسبوع الماضي، وأخذوا يتأملون في قطعة نثرية قصيرة وهم يحملون الأقلام الحمراء.
توتر الجو عندما أعربوا عن قلقهم بشأن التعديلات التي أدخلت على نص كانوا يأملون في أن يشكل أساساً لاتفاقية جديدة حول التغير المناخي. ولو نجحوا في مساعيهم لكانت تلك اتفاقية تاريخية : كونها أول اتفاقية تلزم البلدان المتقدمة والنامية على سواء بخفض انبعاثات غازات الدفيئة. أما الفشل فمعناه المهانة في الوطن وأخيراً احتمال حدوث ارتفاع كارثي على درجة حرارة الكون.
عقد الاجتماع الذي لم يكن مقرراً في الطابق العلوي في مركز المؤتمرات في كوبنهاغن حيث دارت على مدى الأسبوعين الماضيين محاولات عسيرة بين كبار المسؤولين والوزراء المرافقين للزعماء.
ما انبثق بعد ساعات من المساومات الصعبة تخللتها مكاشفة بين أوباما وزعماء الصين والاقتصادات الناشئة الأخرى، كان وثيقة سوف تعرف باتفاقية كوبنهاغن. فقد أورد الإعلان الصادر عن أكبر البلدان المتقدمة والنامية التزامات مؤقتة بخفض انبعاثات غاز الدفيئة، واقترح تقديم التمويل من البلدان الغنية للبلدان الفقيرة لمساعدتها على القيام بمثل ما ستقوم به البلدان الغنية على صعيد هذا الخفض. وقال أوباما إن هذه أول مرة في التاريخ تجتمع فيها كافة الاقتصادات الرئيسة لاتخاذ الإجراء اللازم بشأن التسخين الكوني، غير أن مؤيدي هذه الاتفاقية اعترفوا بأنها قصرت عما كانوا يأملون فيه بعد أعوام من المفاوضات.
وبعد أن غادر الزعماء العاصمة الدنماركية، ارتأى بعض كبار المسؤولين أن الدرس المستخلص هو أن الأمم المتحدة لن تقدر على التوصل إلى معاهدة حول التغير المناخي. وإذا ما أريد مواجهة كارثة التسخين الكوني، يتعين إيجاد عملية أخرى للقيام بذلك.
وذهب آخرون إلى أبعد من ذلك، مثيرين سؤال ما إذا كانت كوبنهاغن تشكل لحظة حاسمة لنظام عالمي جديد تستطيع فيه الاقتصادات النامية القوية كالصين والهند إملاء شروطها على بقية العالم. فقد قال أحد كبار المسؤولين في بلد متقدم :»هذا تغيير في الديناميكيات الجيوسياسية».
إذا كان الأمر كذلك، فستكون هناك شكوك كبيرة في إمكانية تمخض أي منتدى عالمي، سواء أكان الأمم المتحدة أو غيرها، عن التزام قوي بالحد من الانبعاثات، التي تعتبر واحدة من أعوص المشكلات في العلاقات العالمية. فعلى غرار جولة الدوحة لمفاوضات منظمة التجارة العالمية، هناك خطر في أن تأخذ المحادثات سنوات لا حصر لها من النقاش بينما تتزايد تركيزات غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو.
فمنذ 20 عاماً على وجه التقريب، جرى الاتفاق بين البلدان على الحاجة إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة بناء على نصيحة علمية لخفض انبعاثات غاز الدفيئة. ولكن حتى الآن لم تكن هناك إلا محاولة واحدة للتوصل إلى معاهدة ملزمة على الصعيد العالمي: ونعني بذلك برتوكول كيوتو الفاشل لعام 1997 الذي لم تصادق عليه الولايات المتحدة والذي لم يلزم البلدان النامية بأي شيء.
غير أن انتخاب أوباما في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 2008 جلب معه تفاؤلاً جديداً. خاصة أنه جعل التوصل إلى اتفاق بشأن معاهدة خاصة بالمناخ أولوية له رغم معارضة الجمهوريين وبعض أعضاء حزبه لمثل هذه المعاهدة.
إضافة إلى ذلك، بدأت الخطوات التي يتعين على البلدان أن تتخذها لإبرام صفقة تبدو قابلة للتحقيق. ففي الأسابيع التي سبقت كوبنهاغن وبعد أشهر من المشاحنات والمجادلات، انضمت الولايات المتحدة إلى ركب البلدان الغنية في التقدم بعرض لخفض الانبعاثات الصادرة عنها. وتبعتها الصين وغيرها من البلدان النامية الرئيسة بخطط ترمي إلى خفض الانبعاثات الصادرة عنها. كما وافقت البلدان الغنية في النهاية على تقديم المساعدات المالية للبلدان الفقيرة لكي تقوم بدورها بخفض الانبعاثات وتتغلب على الآثار الناجمة عن التغير المناخي وأيدت بعد تردد تقديم مبلغ مائة مليار دولار (70 مليار يورو، 62 مليار جنيه إسترليني) سنوياً بحلول عام 2020.
وفي الأشهر التي سبقت المؤتمر، تخلى الجميع عن فكرة إمكانية التوقيع على معاهدة ملزمة قانونياً في المؤتمر. غير أن الأمم المتحدة والبلدان الرئيسة كانت تأمل في أن صدور إعلان عن زعماء العالم - يمكن أن يصبح ملزماً قانونياً بعد ستة أشهر ــ حول العناصر المهمة الخاصة بخفض الانبعاثات سيكون كافياً.
وعندما بدأت المفاوضات الرسمية في كوبنهاغن في 7 كانون الأول (ديسمبر)، بدا أن كل شيء يسير على ما يرام. وكل ما تبقى هو عملية التفاوض الخاصة بالأمم المتحدة: التأمل في مسودة نص والاتفاق على اللغة الفنية للاتفاقية. ورغم أن هذه عملية مضنية ومؤلمة، إلا أنها مسألة شكلية.
ولكن تبين في حقيقة الأمر أنها الصخرة التي تحطمت عليها الاتفاقية، ما أثار تساؤلات حول مستقبل الأمم المتحدة كأساس لأية اتفاقية خاصة بالتغ