اللا سلم واللا حرب في الصراع العربي الإسرائيلي
الإثنين ٢١ ديسمبر ٢٠٠٩
٠١:٢٣ بتوقيت غرينتش
أكثر من أي وقت مضى تتباعد معاني الحرب والسلام في المنطقة وتنشأ بينهما مساحة تعيد الجميع إلى مرحلة "اللاحرب واللا سلم".
ورغم وجود رئيس أميركي جديد منح العالم لحظة انتخابه انطباعا بأن عهد حروب سلفه انتهت وبدأ عهده بالسلام، فإن نيله جائزة نوبل لم يفعل سوى تقييد حروبه من دون تعزيز الأمل بتحقيق السلام. وفي كل الأحوال فإن وجود حكومة مثل حكومة بنيامين نتنياهو في اسرائيل جعل من احتمالات السلام أمراً مستبعداً من دون أن يقرب لدى المراقبين فرص الحرب.
ويشير كثير من الخبراء في إسرائيل إلى قاعدة أثبتت نفسها في الكثير من المواضع: الحكومة اليمينية تستطيع صنع السلام ويتعذّر عليها شنّ الحرب. وقد حاول مدير مكتب رابين السابق, الصحافي إيتان هابر في "يديعوت" الرد على سؤال: هل هناك حرب؟ وكتب أن الثلاثي نتنياهو, باراك وأشكنازي يختلف عن الثلاثي بيغن, شارون, رفائيل ايتان الذي شن حرب لبنان الأولى العام 1982.
ويكتب أن نتنياهو, رغم أنه عرّض نفسه كمنقذ لإسرائيل من "الخطر الإيراني" يعرف "أنك تعرف متى وكيف تبدأ حرباً، ولكنك لن تعرف أبداً متى وكيف تنتهي. "النادلان" اللذان يقدمان وصفة الوجبة الايرانية على الطاولة، باراك واشكنازي يكلفان نفسيهما عناء اطلاع من ينبغي له أن يعرف ما الذي تنطوي عليه مثل هذه العملية، اذا كان على الإطلاق ممكناً إخراجها الى حيز التنفيذ".
بل أن عدداً من المعلقين الإسرائيليين باتوا يرون منذ الآن محاولة من جانب المقربين من نتنياهو لإلقاء تهمة عدم إفشال المشروع النووي الإيراني على أسلافه. وهذا ما تبدّى من كلام مستشار الأمن القومي الدكتور عوزي أراد الذي قال بأن أسلاف نتنياهو تركوا له "أرضاً محروقة". وأشار معلقون آخرون إلى أن زمن إفشال المشروع النووي الإيراني بضربة عسكرية قد ولّى. في حين يشدد خبراء آخرون على أن المشكلة تكمن في حقيقة أن ضربة عسكرية إسرائيلية لإيران تعني حرباً لا نهاية لها.
ويعتمد الأخيرون على الدراسة التي أعدها موشيه فيرد من مركز بيغن ـ السادات للدراسات والتي يخلص إيتان هابر من قراءتها إلى أنها "ترسم صورة اسود من السواد، مثيرة للاكتئاب ويمكن القول وان لم يكن هذا مكتوباً فيها يكاد يكون من المتعذر أن يردّ الجيش الإسرائيلي على إيران الصاع صاعين من دون أن يبقي جيلنا حرب شبه خالدة لأبنائنا واحفادنا".
ومن دون التشكيك في احتمالات مواجهات عسكرية محدودة هنا وهناك, خصوصا في لبنان وغزة, فإن احتمالات الحرب الواسعة ضيئلة. وهذا يفتح الباب على التفكير باحتمالات التسوية.
ومن المؤكد أن الكثيرين في المنطقة العربية وإسرائيل والعالم يتمنون لو كان بوسع الرئيس الأميركي باراك أوباما تحقيق السلام بين إسرائيل والدول العربية بالوتيرة التي تحدّث بها. ولكن انقضاء عام تقريباً على المساعي الأميركية أظهر نتائج لا تزيد عن صفر. بل إن البعض يعتقد أن الفشل الأميركي أعاد عقارب المفاوضات كثيراً إلى الوراء.
ومع ذلك فإن سياسياً مخضرماً في التيار المعتدل في إسرائيل مثل عوزي برعام يعتقد أن الأمور بالنسبة للرئيس الأميركي ستتحرك في العام المقبل. ويستند هو في رأيه إلى شارات أولى لانتعاش في الاقتصاد الأميركي وبداية خروج من الأزمة وإلى تزايد الانتقاد الأميركي للاحتلال الإسرائيلي. وهو يشير إلى أن الجميع في أميركا يطالبون أوباما بالتدخل لإزالة الخطر القائم حول برميل البارود في الشرق الأوسط.
غير أن توقعات كتلك التي يتمناها برعام ليست قابلة للتحقق في ظل حكومة كالتي يرأسها بنيامين نتنياهو والتي تحاول كسب الوقت من خلال التركيز على محاولة منع التسوية. وتشهد الطريقة التي تعامل بها وزراء الحكومة مع قرار تجميد البناء الجزئي والموقت على ما يُضمرونه تجاه التسوية. ومنذ الآن يحاول وزراء مثل ليبرمان ويشاي وبيغن ويعلون التأكيد بأن التجميد "خطوة للوراء خطوتان للأمام", وأن زخماً استيطانياً منتظراً في القريب العاجل.
ويمكن القول إن افتقار حكومة نتنياهو لخيار السلام يجعلها, في الظروف الراهنة, تفتقر أيضاً لخيار الحرب, على الأقل الواسعة. وهذا يعيد الاعتبار لخيار اللاحرب واللاسلم الذي وسم الفترة ما بين حربي 1967 و1973. ورغم كل ما قيل عن أن حرب 1973 كانت حرباً تحريكية فإن الحركة التي أنشأتها توقفت عند الحلول الجزئية التي لم تتحرك, مصرياً, إلا بصدمة زيارة السادات ومعاهدة كامب ديفيد. كما أن الانتفاضة وحرب الخليج الفارسي الأولى حرّكتا العملية السياسية فلسطينياً بشكل جزئي في اتفاقات أوسلو وأردنيا بمعاهدة وادي عربا.
ورغم ما أنشأته كل هذه الاتفاقيات من تغيير استراتيجي في المنطقة إلا أنها عجزت عن تحقيق السلام.
واليوم, أكثر من أي وقت مضى, يطالب الخبراء في إسرائيل بالكفّ عن السعي لتحقيق اتفاق نهائي مع الفلسطينيين أو العرب والتوجّه نحو حلول جزئية. غير أن الحل الجزئي المقترح مع الفلسطينيين يعيد الأمور تقريباً إلى ما كانت عليه قبل نشوب انتفاضة الأقصى. وبطبيعة