السودان.. السياسة عندما تصبح مقامرة
الأحد ٢٠ ديسمبر ٢٠٠٩
١٠:٠٠ بتوقيت غرينتش
تبدو اللعبة السياسية في السودان أقرب ما تكون لنظيرتها في لبنان، مع فارق أساسي يتمثل في ترسُّخ قناعة عميقة لدى الغالبية الساحقة اللبنانية بأنه ليس هناك إلا "لبنان واحد"، وأنه لا خيار إلا العيش وفق "توافق" يمنع إقصاء أي طرف من اللعبة ويحفظ لمختلف الأطراف مصالحها، مع السماح بقدر من الهبوط والصعود تبعًا لما يستجدّ من عناصر قوة وضعف، وعندما ينهار هذا التوافق تكون النتيجة مثل ما شاهدناه في الحرب الأهلية اللبنانية، أما على الصعيد السوداني فإن الطريق ما زال طويلًا أمام فُرقاء اللعبة السياسية للوصول لمثل هذا التوافق، فالبعض يعتقد أنه يستطيع أن يدير اللعبة بمفردِه، بينما لا يتردد آخرون في هدم المعبد على رءوس الجميع إذا ما شعر بفقدان ولو جزء من مواقعه أو امتيازاته.
وساسة السودان، كما أقرانهم في لبنان، لا غضاضة لديهم في التحوُّل من النقيض إلى النقيض في مرونة بهلوانية ودون أدنى مقدمات، كما أن لديهم اختلافاتٍ جوهريةً -وفي العمق- حول هوية الدولة ومشروعها، ويضاف لذلك الحضور القوي لعائلات تتوارث الصدارة السياسية، كما هو الحال مع أسرتي المهدي والميرغني، أما الفارق الأساسي فيتمثل في كون السودان يمتلك، على عكس لبنان، متسعًا من الأرض والثروة كي يحلم البعض بإنشاء دولته الخاصة، فهناك مشاريع لدولة ثانية، بل وحتى ثالثة ورابعة، فهناك دارفور "غربًا" والحركة الشعبية "جنوبًا"، وقبل فترة كانت هناك "جبهة الشرق"، وكذلك "النوبة" (شمالًا).
الترابي نموذجًا
وعلى سبيل التذكرة فإن الدكتور حسن الترابي كان "العراب والمنظّر" الأبرز لنظام الجبهة الإسلامية، الذي تولى الحكم بالسودان منذ انقلاب 1989، وقائد مسيرة "الجهاد المقدس" ضد المتمردين في الجنوب، لكنه عندما اختلف مع الرئيس البشير وترك مقاعد الحكم، لم يتردد في التحول إلى النقيض، ليعقد في عام 2001 اتفاقًا مع جون قرنق زعيم المتمردين، في ذلك الوقت، يقرّ فيه بحق الجنوبيين في تقرير المصير، وهو ما قاتل سنوات لمنعه، كذلك الأمر بالنسبة إلى خليل إبراهيم، أحد أبرز قادة التمرد في إقليم دارفور، فهو ظلّ لسنوات أحد القادة البارزين في الحزب الحاكم والحركة الإسلامية، كما شغل الوزارة في أكثر من حكومة إقليمية في الإقليم، لكن طموحَه قادَهُ إلى محاولة صنع "دولته الخاصة".
وتعدّ هذه المقدمة، على طولها، مدخلًا مهمًّا لفهم التطورات التي تجري حاليًّا على الساحة السودانية، وخاصةً ما يتعلق بقرار قُوَى المعارضة، ومعها الحركة الشعبية (متمردو الجنوب سابقًا) الشريكة في الحكم، بالنزول إلى الشارع للضغط على الحكومة والحزب الحاكم لتمرير حزمة من القوانين المتعلقة بالانتخابات المقبلة (أبريل 2010) والاستفتاء في الجنوب (يناير 2011)، وأخرى بتنظيم عمل وصلاحيات الأجهزة الأمنية والمخابرات.
وقد أعادت تظاهرات الاحتجاج السياسي، والتي تبدو غريبة على المشهد السوداني لأكثر من عقدين، إلى الأذهان عصر الانقلابات، وهو ما دفع السلطات للتعامل معها بعنف وقسوة، ومن جهة أخرى فإن ذلك حفَّزها لعقد مفاوضات مكثَّفة مع الحركة الشعبية للاتفاق على "حلّ توافقي" بشأن القوانين الأكثر إلحاحًا بالنسبة لها، وذلك بهدف عزلِها عن باقي القُوى المعارضة، وهو ما حدث بالفعل بعد أقل من أسبوع حيث تم الإعلان عن التوصل لاتفاق بشأن قوانين الاستفتاء في الجنوب، والمشورة الشعبية لولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، وقانون استفتاء أبيي، فيما تم ترحيل باقي القوانين إلى لجان مشتركة، وهو ما يدرك الكثيرون أنه مجرد "صيغة شكليَّة" لحفظ ماء الوجه كي لا تظهر الحركة بمظهر الانتهازي الذي تخلى عن حلفائه لأجل مصالحِهِ الخاصة.
فَكّ اللغز
وقد تجلت تأثيرات هذا الاتفاق في المظاهرة الثانية التي جرت الثلاثاء (14/12) حيث جاءت خافتة، وتراجعت أعداد المشاركين، خاصة من الحركة الشعبية، لكن السلطات لم تتردد في استخدام قبضتها العنيفة، حيث تم اعتقال عدد من قادة المتظاهرين لعدة ساعات، بهدف إرسال رسالة حازمة لجميع الفرقاء بأنه ليس مسموحًا لأحد باللعب بورقة الشارع والتظاهرات، واهتمام الحكومة السودانية بتحييد الحركة الشعبية عن باقي قوى المعارضة يرتبط أساسًا بالضغط الدولي الرامي لإنجاز المراحل المتبقية من اتفاق "نيفاشا"، الذي وضع حدًّا للحرب في الجنوب، حيث تبقى المرحلة الأساسية والمتمثلة في الاستفتاء على تقرير المصير، والمقرّر في يناير 2011.
كما تدرك الحكومة أن اهتمام "الحركة الشعبية" ومركز ثقلها يقع أساسًا في الجنوب، بينما تتصارع باقي قوى المعارضة مع الحزب الحاكم على مراكز النفوذ والثقل في الشمال والغرب والشرق، بالتالي فإن تحييد الحركة يحرم هذه القوى من الاهتمام والدعم الخارجي، الذي تتمتع به الحركة، فضلًا عن كونه يسقط الطابع "القومي" الشامل عن هذه التحركات، ويجعلها تصبّ في إطار المطالب الحزبية والمناكفات السياسية، بما يعزّز من قدرة الحكومة على قمْعِها بسهولة، وبأقل قدر ممكن من التكلفة السياسية.