"الصفعة" السويسرية واستنهاض حقيقة الإسلام
الإثنين ٠٧ ديسمبر ٢٠٠٩
٠٢:٥٦ بتوقيت غرينتش
في 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009، وفي استفتاء شعبي عام، صوّت السويسريون بغالبية 57.5 في المئة لمنع بناء المآذن في بلادهم.
لا المآذن ولا الأهلّة فوقها شعائر إسلامية، فالأبراج العالية المستديرة أو المربعة قديمة وعرفت لدى الرومان والبزنطيين وغيرهم من الحضارات، أما الهلال والنجمة فقد استحدثهما العثمانيون كشعار لدولتهم ووضعوه على قمم المساجد. وعلى رغم ذلك، صارت المآذن والأهلّة رموزاً تقليدية للشخصية الإسلامية، لذلك فإن منعها دلالة واضحة على موقف معادٍ للشخصية الإسلامية.
الشعب السويسري شعب عبقري استطاع مع حجمه وحجم بلاده الصغير أن يفلت من أكبر حمّامي دم غرقت فيهما أوروبا في القرن العشرين، هما: الحرب العالمية الأولى (1914-1918) والثانية (1939-1945)، واستطاع أن يجمع في دولة واحدة شعوباً تنتمي الى ثلاث ثقافات أوروبية شديدة التنافر: الألمانية، والفرنسية، والإيطالية.
واستطاع أن يصنع لنفسه رفاهية اقتصادية على رغم خلو البلاد من أي موارد طبيعية. شعب صنع من التعايش والتوازن إستراتيجية لا مثيل لها من حيث كفالة الحرية، واحتواء التناقضات في باقة من التوازنات.
حجم الشعب السويسري 7,5 مليون وحجم الوجود الإسلامي المقيم في أرضه الآن يبلغ حوالى 10 في المئة من السكان.
الوجود الإسلامي في الغرب بعامة، أي أوروبا وأميركا، تمدد منذ أواخر القرن العشرين حتى صار الإسلام الديانة الثانية بعد المسيحية. وباستثناء روسيا ويوغسلافيا السابقة كانت علاقة أوروبا بالآخر الإسلامي علاقة خارجية، لكن ضخامة الوجود الإسلامي في أوروبا حالياً جعلت المسألة داخلية متعلقة بوجود إسلامي داخل الدول الأوروبية.
الحضارة الأوروبية حضارة استعلائية، لذلك أفرزت الإقصائية الفاشستية في اليمين، والإقصائية الشيوعية في اليسار؛ وأفرزت اللاسامية ومولودها الصهيونية؛ وأفرزت رسالة الرجل الأبيض ومولودها الإمبريالية... وهكذا.
والاهتمام الغربي بحقوق الإنسان وحرياته الذي انطلق بحماسة منذ الحرب العالمية الثانية يمثل نوعاً من التوبة الأوروبية من النزعات الإقصائية وتقديس التنوع والاعتراف بالآخر واعتبار أن تهميش الآخر او إقصاءه يولّد حتماً تمرداً: صراع طبقي في المجال الاجتماعي، أو تعصب قومي في المجال الثقافي، أو فتنة دينية في المجال الملي.
لكل هذه الأسباب مجتمعة يبدو موقف الشعب السويسري من المآذن إجراءً شاذاً يناقض ثقافة التعايش والتسامح الأوروبية ويناقض ثقافة التوازن السويسرية.
منذ حين، حل الشعور نحو المسلمين في كثير من البلدان الأوروبية محل عداء السامية الذي وصل في أوروبا إلى أقصى مداه في ألمانيا النازية وصار الميل نحوه الآن جريمة يعاقب عليها القانون.
هنالك أسباب عدة أطلقت في أوروبا مخاوف من الإسلام، واتهامات للمسلمين، وكراهية للإسلام والمسلمين تجسدها عبارة الإسلاموفوبيا، أهم أسبابها في الغرب الحديث:
1- مثلما ساهم حرص اليهود على هويتهم ورفضهم الذوبان في الثقافة المحيطة، فإن الوجود الإسلامي في الغرب أظهر بصورة واضحة حرصاً على الهوية الإسلامية.
2- الحضارة الغربية هي الأقوى عسكرياً واقتصادياً وتكنولوجياً في العالم، ومع ذلك يبدو أن عوامل القوة الناعمة تشير إلى أن الإسلام على رغم ضعف المسلمين «يغزو» الغرب. وسواء كان ذلك حقيقة أم وهماً، فإن مقالات وكتباً كثيرة بدأت تنذر بأن الإسلام يحتل أوروبا من الداخل، أذكر منها على سبيل المثال: «يورابيا» بقلم بات يائور، و «بينما الغرب نائم» بقلم بروس باور، و «فرصة أوروبا الأخيرة» بقلم توني بلانكي، وهلم جراً.
3- بسبب الخوف من تمدد الإسلام أو بهدف إيجاد قاعدة لاستمرار التحالف الغربي - الإسرائيلي بعد نهاية الحرب الباردة، أو بسبب إيجاد عدو إستراتيجي للتحالف العسكري الغربي، فإن عدداً من أكثر الغربيين نفوذاً دينياً أو فكرياً ساهم بصورة قوية في أبلسة الإسلام، مثلاً: مقولة البابا عام 2006، ومقولات برنارد لويس الكثيرة، وغيرها مما يشكل مكتبة كاملة في أبلسة الإسلام والمسلمين.
4- أبلسة غذتها من مصادر إسلامية مقولة جهادويين بأن الكفر هو المبرر الكافي للجهاد. وإقدام بعض المسلمين على أعمال تطبيقية لهذه الفتوى: أحداث 2001 في أميركا و2004 في إسبانيا و2005 في بريطانيا وغيرها.
الإجراء السويسري إذاً تصرف ينطلق من جذور عميقة وله دلالة واسعة، ومع أن جهات كثيرة داخل سويسرا وفي أوروبا دانته، إلا أنه يجسد مشاعر أوسع من سويسرا نفسها.
في ما يأتي تشريح للإجراء السويسري:
- الحكومة السويسرية وكذلك البرلمان رفضا القرار ولكن بعد الاستفتاء قالت الحكومة: هذا القرار هو تعبير عن بعض المخاوف في صفوف الشعب من التيارات الإسلامية المتطرفة، مخاوف ينبغي أن تؤخذ مأخذ الجد.
- المبادرة الشعبية لحظر المآذن دعمها حزب الشعب السويسري (يميني متطرف) والاتحاد الديموقراطي الفيديرالي (حزب مسيحي). وقال إيف بيران (حزب الشعب السويسري): «سويسرا لم تفعل سوى معالجة المسألة قبل البلدان