لقد جاءت المصادقة على قرار مجلس الأمن المرقم 1929 بغية إجبار ايران على التفاوض والرضوخ لشروط الغرب. فهو يرى أن ايران ستغير من مواقفها تجاه الشأن النووي في حالة فرض المزيد من العقوبات الدولية عليها.
وتدل مثل هذه النظرة على ان الغرب عامة والولايات المتحدة خاصة لا تدرك أهمية ومكانة المشروع النووي الإيراني في سياستها الداخلية والخارجية على حد سواء، فتزايد الضغوط الدولية سيؤدي لتأثير معاكس ويزيد من تشدد ايران في مواقفها النووية.
فهناك ثلاث رؤى حول العوامل التي كانت وراء فرض عقوبات جديدة على ايران والتي يمكن تلخيصها كالتالي:
العقوبات لغرض الحرب، العقوبات لغرض إحتواء ايران، واخيرا العقوبات لفرض التفاوض.
فعلى ضوء الرأي الأول الهدف الرئيسي من فرض العقوبات هو إعداد الرأي العام وزعزعة الإقتصاد الإيراني تمهيداً لشن حرب عليها، وكانت اميركا قد استخدمت هذا السيناريو في الهجوم على العراق، لكن الموضوع الجدير بالملاحظة هنا هو أن الرأي العام العالمي لا يشعر بالثقة حيال الأهداف التي يخطط لها الأميركان وليس مستعداً للحرب في الوقت الراهن.
إن أميركا بحاجة إلى إستصدار قرار من مجلس الأمن الدولي يجيز لها شن الحرب قبل البدء بها كما أنه ليس بالامر اليسير الحصول على إجماع في الرأي. لإن أميركا غير قادرة على إدارة عمليات عسكرية في جبهة ثالثة، بعد أفغانستان والعراق، كما أن سياسات أوباما ترتكز على العمل الدبلوماسي في حل المسائل ذات الصلة بالسياسة الخارجية الأميركية. وههنا يأتي الدور لبحث موضوع آخر هو شن هجوم إسرائيلي محتمل، وفي هذه الحالة يبدو بأن الكيان الصهيوني ليس في موقف يؤهله لإدارة العمليات العسكرية بسبب الأزمات الداخلية التي تعصف به ومعارضة الرأي العام العالمي خاصة بعد الهجوم على قافلة الحرية، وبالنتيجة فإن هذا الكيان يحبذ الضغط على أميركا للقيام بعمليات عسكرية.
بالنسبة للنظرة الثانية تجاه هذا الموضوع وهي التي ترى بأن الهدف من فرض المزيد من العقوبات على ايران هو لغرض إحتواء قدرات ايران على ايجاد تحالفات اقليمية وعالمية. و هذه النظرة ترى ان المشروع النووي الإيراني يسير الى الامام وفق المنطق والشرعية الدولية ولا يتعدى إطار قوانين وقرارات الـ NPT، ويوازي ذلك زيادة القدرات الإيرانية في مجال ايجاد تحالفات مع القوى العالمية الجديدة والمعارضة للوضع الحالي الذي يتحكم بالـ NPT.
وعلى ضوء ذلك فإن التوقيع على إعلان طهران والتأكيد على إستمرار التخصيب وقبوله من قبل البرازيل وتركيا والتأييد الذي تبعه من قبل بلدان العالم يساهم في ترجيح كفة الحكومة الإيرانية في المفاوضات القادمة.
ولذلك كان لابد من خطة لإحتواء القدرات الإيرانية،وكأن فرض عقوبات جديدة على وجه السرعة هو الأداة العملية التي تمكن الغرب من تطبيق هذه الستراتيجية الجديدة لكي تتوضح الصورة ويتم تشخيص جبهة المؤيدين وجبهة المعارضين، ولما كان الغرب يمتلك آليات وإمكانيات كثيرة للضغط السياسي والإقتصادي، سيكون في مقدوره دفع الكثير من الدول في إتجاه الرضوخ لمطالبه.
أما بالنسبة لوجهة النظر الثالثة فقد دخلت الحيز العملي على هيئة ستراتيجية غربية، تهدف العقوبات بالدرجة الأولى على ضوئها إلى بدء المفاوضات من موقع قدرة، اي بعبارة أخرى مواصلة الطريق الدبلوماسي بإستخدام آلية جديدة.
إن النقطة التي يركز عليها الغربيون هنا هي أن تطبيق العقوبات الذكية والتحذيرية من شأنها أن تؤدي إلى تغيير في السياسة النووية الإيرانية، وترجح كفة الغرب في المفاوضات القادمة.
ومن هذا المنطلق فإن العقوبات المتشددة تأتي ايضا بهدف منع أي حرب محتملة (خاصة من جانب إسرائيل)، كما أنه لكي يكون هناك تأثير أكبر للعقوبات ينبغي فرض عقوبات مكملة أحادية الجانب من قبل مختلف الدول إلى جانب العقوبات المتعددة الجوانب التي تفرضها الأمم المتحدة.
على هذا الأساس صادقت إدارة أوباما على قرار الكونغرس الأميركي في حظر البنزين كما إتخذت بضعة دول اخرى بصورة منفصلة قرارات حظر مشابهة ضد ايران.
وبعد القيام بدراسة تحليلية لوجهة النظر الثالثة يجب القول بأنه لا يوجد اليوم اي فريق أو تنظيم سياسي في ايران يتمسك بإنكار التبعات السلبية الناجمة عن العقوبات المفروضة على هذا البلد.
حتى ان الدكتور صالحي رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية وضمن السياق نفسه يقر بأن العقوبات ستكون سببا في إبطاء النشاطات النووية الإيرانية، الا ان الموضوع الرئيسي والمهم هنا هو أن العقوبات لن تغير من مواقف ايران حيال الشأن النووي، لأن أبعاد هذا الموضوع تتجاوز موضوع الطاقة والتقدم التقني، وأصبحت الآن مرتبطة بالهوية الوطنية والمبادئ والقيم وهي مسألة ستراتيجية لها صلة مباشرة بدور ومكانة ايران الإقليمية والعالمية.
من جانب آخر لما كان تأثير هذه العقوبات يطال أبناء المجتمع الأيراني بشكل مباشر، فإن ذلك سيؤدي إلى مزيد من عدم الثقة في أوساط المجتمع والتنظيمات السياسية تجاه الغرب وأميركا على وجه الخصوص، وستدعم الحكومة في مواجهتها وتصديها للعقوبات المفروضة بتعزيز الإنسجام والوحدة الوطنية ونتيجة لذلك ستنعكس الآية ولن تكون في صالح الغرب، وعلى هذا الأساس ربما تؤدي العقوبات الأحادية الجانب الى مزيد من التوتر في العلاقات بين ايران وأميركا والدول الأوروبية.
وفي نهاية الأمرفإن العقوبات سوف لا يكون لها أي تأثير ولن تؤدي الى تغيير الموقف الإيراني حيال الشأن النووي؛ ليس هذا فقط إنما ستطال تأثيراتها التخريبية مصالح الغرب أيضا على المدى القريب والبعيد، فعلى المدى القصير ستؤدي العقوبات الى زيادة التوتر في المنطقة.
فمثلا الحصار الإقتصادي وتفتيش السفن سيكون سببا في زيادة خطر التصادم المسلح (حتى ولو كان عن طريق الصدفة) بين ايران والدول التي تحاول تطبيق العقوبات، وهذا الأمر يصدق بالدرجة الأولى على الدول العربية المطلة على الخليج الفارسي حيث أن ذلك سيؤدي الى مزيد من التوتر والتشنج بين هذه الدول وايران.
فالعلاقات السياسية والأمنية الوثيقة التي تربط ىول الخليج الفارسي بأميركا ستؤدي إلى جرها باتجاه إتخاذ مواقف ترضي الغرب وهذا الأمر ليس في صالحها بالمرة أنما فيه ضرر كبير لها، لأن النمو والتنمية الإقتصادية المستدامة في البلدان العربية تعتمد إعتمادا مباشرا على الأمن والإستقرار في المنطقة.
كما أن العقوبات الجديدة تزيد من مخاطر سوق التوتر صوب المسائل السياسية والأمنية.
ففي الوقت الحاضر اميركا متورطة في حربين مع كل من إفغانستان والعراق الجارتين لايران، وان نشوب اي حرب جديدة تكون ايران طرفا فيها، خاصة اذا كان زمام المبادرة فيها بيد اسرائيل، ستؤدي إلى زعزعة الإستقرار في منطقة الشرق الأوسط بأسرها حتى حدود الصين، ما يعرض المصالح الستراتيجية الغربية والأميركية لخطر كبير.
أما على المدى الطويل فإن عدم الإستثمار في قطاعات النفط والغاز في ايران بسبب العقوبات سيكون له تأثير كبير يعرض المصالح الغربية لأخطار جسيمة. عدم الانتاج الكافي والإستخدام المناسب لمصادر إنتاج النفط والغاز في ايران سوف يعرض السوق العالمية إلى نقص حاد في العرض.
وهذا الأمر لا يتسبب فقط في إرتفاع أسعار النفط على المدى البعيد، إنما سيفسح المجال أمام القوى المنافسة كروسيا لتأمين الطاقة والتحكم في أسعار النفط والغاز في العالم، الأمر الذي ستكون له تبعات سلبية على الإقتصاد الغربي وخاصة على إقتصاد الدول الأوروبية.
نستنتج مما ذكر بأن ستراتيجية (فرض العقوبات للإجبار على التفاوض) ورغم أنها تبدو للوهلة الأولى كما لو كانت نجاحا دبلوماسيا لأميركا، إلا أنها من الناحية العملية تعد بارادوكسية لإحتواء ايران وإجبارها على تغيير موقفها النووي وهي لن تخدم المصالح الغربية.
ان العقوبات الجديدة تزيد من عدم الثقة بين الطرفين، كما تزيد من مخاطر سوق القضية الى مبدأ (الخسارة – الخسارة) ، وإن أميركا والغرب يسعيان الى التوصل إلى صيغة حل ثابتة للبرنامج النووي الايراني مرضي للطرفين، ولو كان ذلك بصورة نسبية، ويرتكز على مبدأ (الفوز – الفوز).
*الوفاق-كيهان برزكر - مساعد الشؤون الدولية في مركز الشرق الأوسط للدراسات الستراتيجية