التراجع الأميركي آسيويا ... ونهاية ثانية للحرب الباردة
السبت ٢٨ نوفمبر ٢٠٠٩
٠٢:٤٦ بتوقيت غرينتش
في تعليق له على جولة الرئيس الأميركي أوباما الآسيوية يلخص المحرر الألماني كليمنس فيرجين حصيلتها بقوله: "أميركا تطلب ود آسيا ولكن العروس تتمنع حتى الآن"، إنما المقصود بالتمنع لا يخرج عن أسلوب تفكير غربي، وهو القول بعدم مضي دول آسيوية، لا سيما الصين، في الاستجابة للرغبات الغربية أن تلعب دورا مشابها في الزعامة السياسية والأمنية، أي "فرض الهيمنة"، لتصبح شريكا للغرب في ذلك، ويستشهد على رأيه بالموقف من كوريا الشمالية وإيران كمثال، والمحرر نفسه ينتقد الأوروبيين لأن بعضهم يتردد أيضا عن ذلك الدور في نظره، بدليل عدم تصعيد حجم مشاركتهم العسكرية في أفغانستان!.
إذا كان طلب الود يستهدف الصين أكثر من سواها، فإن أوباما المولود في هاواي، والذي وصف نفسه بأنه أول رئيس أميركي ينتسب إلى حوض المحيط الهادي، الفاصل الجامع بين الأميركيين والآسيويين، كان في هذه الجولة شديد التواضع في مطالبه وعروضه وأسلوب حديثه خلال مجموع الجولة، إلى درجة جلبت له نقدا حادا داخل بلاده، شمل حتى تحيته مع انحناءة المجاملة أمام الإمبراطور الياباني.
ضمور الزعامة المالية والاقتصادية
المنتقدون الأميركيون للتواضع الأميركي في جولة أوباما الآسيوية ينطلقون من صورة سياسية دولية موروثة، تعطي الغرب الموقع المركزي عالميا، وتعطي الولايات المتحدة الأميركية الموقع القيادي لهذا المركز الغربي، فهم لا ينتظرون من رئيس أميركي يخاطب دولة صغيرة أو كبيرة، نامية أو ناهضة، بلهجة تختلف عن لهجة الإملاء والمطالبة والتهديد عند الحاجة، كما كانت طوال العقود الماضية على انتهاء الحرب العالمية الثانية، وبلغت مستوى العجرفة العلنية مؤخرا، ويغفلون عن أن أوضاع هذه الدول الآن، بما فيها اليابان المرتبطة بالغرب ارتباطا عضويا، تختلف عما كانت عليه اختلافا جذريا إبان الحرب الباردة، وأن تبدّل اللهجة الأميركية سياسيا، لا يأتي فقط بسبب وجود رئيس أميركي جديد يختلف عن سلفه القريب بوش الابن أو البعيد ريجان، بل يأتي أيضا نتيجة إدراك الرئيس الحالي للولايات المتحدة لحقيقة إمكاناتها المتآكلة، نتيجة الحروب الأخيرة ونتيجة الأزمة الرأسمالية العالمية المرتبطة بتبعاتها في وقت واحد.
لقد شبّت دول آسيوية عديدة عن طوق التبعية وعن طوق "الرهبة" السياسية والاقتصادية والأمنية، فكان استقبال أوباما حيث حملته جولته الآسيوية، في اليابان وسنغافورة وكوريا الجنوبية والصين، استقبالا يتسم بالدبلوماسية المهذبة، وبالثقة بالنفس التي وجدت طريقها إلى التعبير، إما بطرح المطالب الذاتية، أو برفض ما لا ترغب تلك الدول في الاستجابة إليه من المطالب الأميركية.
ولأن عنصر المال والاقتصاد يلعب دورا أكبر مما مضى في موازين القوى الدولية، ولأن المعاناة الأميركية والأوروبية من الأزمة الرأسمالية ظاهرة للعيان، مع استحالة الخروج من تداعياتها دون أن تدعم ذلك دول أخرى توصف بالناهضة، فقد كان أوباما نفسه واضحا في تحديد الغاية من جولته الآسيوي، وهو على حد تعبيره "العودة للتواصل مع المنطقة الآسيوية على قدم المساواة" كما ورد في كلمة ألقاها في اليابان، والتي اعتُبرت الخطاب الشمولي الخامس لأوباما حول أسس سياساته الدولية، وهذا أيضا ما جعله يعبر عن أمله بوضوح "أن تفتح الدول الآسيوية أسواقها أكثر مما مضى أمام البضائع الأميركية، ليمكن تأمين أماكن العمل في الولايات المتحدة الأميركية"، كما جاء في كلمته خلال لقاء قمة منتدى "آبيك" لدول شرق آسيا والمحيط الهادي، وزاد على ذلك في كلمته الأسبوعية الموجهة إلى مواطنيه وقد سجلها أثناء وجوده في كوريا الجنوبية فقال بوضوح: "إذا زادت صادراتنا إلى منطقة آسيا والمحيط الهادي بواقع 5% فقط.. نستطيع زيادة فرص العمل للأميركيين بمئات الآلاف"، وكانت نسبة البطالة الرسمية -دون المقنعة- قد تجاوزت قبيل بدء الجولة الآسيوية، ولأول مرة منذ فترة طويلة، حدود 10% بين الأميركيين.
ولم تجد الرغبات الأميركية -رغم تواضع اللهجة حديثا- صدى يُذكر، والعقدة الرئيسية هي في العلاقات التجارية مع الصين، التي ارتفع حجم التبادل التجاري معها من بضعة مليارات أيام احتضار المقاطعة الأميركية (1979) إلى أربعمائة مليار دولار (2008) مع عجز ضخم لصالح الصين، التي تمتلك النسبة الأعظم من "سندات الخزانة الأميركية"، أي الديون الرسمية على الدولة الأميركية نفسها، فهي التي تتشبث -بالمنظور الغربي- بقيمة منخفضة لعملتها (اليوان) تجاه الدولار، الذي ترتبط به عملات دول أخرى في المنطقة، وهذا مما يساهم في انخفاض قيمة البضائع الصينية، وازدياد منافستها القوية للبضائع الأخرى في المنطقة وعالميا، ولكن الصين التي تتعامل بمنطق المصالح الذاتية، كالدول الغربية وسياساتها النقدية وغير النقدية، رفضت مجرد الإجابة علنا على المطلب الأميركي، كما أن هذا المطلب الذي شاركت فيه دول أخرى لم يجد طريقه إلى البيان الختامي لمؤتمر آبيك في سنغافورة.
على النقيض من ذلك كان انتقاد الصين شديدا للسياسة الأميركي