الفساد والتوزيع غير العادل للثروة وراء حمى الكرة في القاهرة
الأربعاء ٢٥ نوفمبر ٢٠٠٩
٠٢:٥٥ بتوقيت غرينتش
تخضع مناطق في العاصمة المصرية القاهرة للأحكام العرفية، غير أن هذه المدينة التي تتسم بالفوضى الاعتيادية، اجتاحتها مؤخراً حمى كرة القدم المجنونة، الأمر الذي ترتب عليه قيام الحكومة بنشر الآلاف من عناصر شرطة مكافحة الشغب ورجال أمن يرتدون ملابس مدنية في بعض أحياء المدينة التي تشتهر عادة بالمطاعم الفاخرة والمحلات التجارية الراقية.
وقد هرع الآلاف من مشجعي كرة القدم الغاضبين ليلة الخميس الماضي، نحو جزيرة الزمالك، الحي الفاخر، الذي يقطنه المصريون الأثرياء والدبلوماسيون ورجال الأعمال والصحفيون.
لقد كانت الجموع الغاضبة تتجه نحو مقر السفارة الجزائرية في شارع حسن صبري الشهير.
قبل ذلك، أي مساء الأربعاء، شهد استاد المريخ بمدينة الخرطوم، المباراة الفاصلة بين منتخبي الجزائر ومصر في التصفيات المؤهلة لنهائيات كأس العالم 2010 في جنوب أفريقيا، والتي وصفتها صحيفة "ديلي تليغراف" البريطانية بأنها "مباراة الخروج من الجحيم."
وفي تلك المباراة، فازت الجزائر بهدف دون مقابل، أحرزه اللاعب الجزائري عنتر يحيى، وبواسطته حجزت الجزائر مقعداً لها في نهائيات كأس العالم 2010، وعاد المصريون إلى وطنهم خاسرين.
وقد تعطلت الحياة في مصر والجزائر، وتوقفت تماماً مساء الأربعاء بغية مشاهدة المباراة التي أقيمت في استاد المريخ بالخرطوم.
لقد أثارت المباراة، قبلها وبعدها، حرباً إعلامية شرسة و"سيّئة"، إذ اتهم كل طرف الآخر بقتل رعاياه وتحطيم الممتلكات.
ووجهت الحكومة الجزائرية فجأة صفعة لشركة الاتصالات المصرية العملاقة "أوراسكوم"، عندما طالبتها بدفع ضرائب تصل إلى 600 مليون دولار، وهو ما قالته عنه الشركة (أوراسكوم) إنها مطالبة "عارية عن الصحة وغير مقبولة."
والجمعة، ظهرت صحيفة يومية مصرية يتصدرها عنوان بالخط الأحمر العريض "رعب في السودان" ويحتوي على صورة فوتوغرافية ملونة كبيرة لنساء مضمدات الرؤوس، وشرطي يحمل سكيناً ذات نصل طويل، وتحت الصورة قال الشرح التوضيحي، إن السكين الطويلة استخدمها مشجع جزائري ضد مشجع مصري.
وعلى موقع "يوتيوب" حالياً ثمة العديد من لقطات الفيديو التي احتوت على لعنات متبادلة بين المصريين والجزائريين، وإهانات بأقذع الألفاظ.
ويسهم كل هذا في تأجيج مشاعر الغضب والاستياء بين أنصار المنتخبين.
وفي حي الزمالك مساء الخميس، لم تتمكن الحشود الغاضبة من اختراق الحصار الذي فرضته الشرطة، غير أنها فرّغت غضبها في السيارات المتواجدة في المكان تلك اللحظة، وكذلك بتحطيم واجهات المتاجر.
ويقول شهود عيان إن الشرطة لم تفعل شيئاً في البداية للحيلولة دون ذلك، ما يغذي الافتراض بأن السلطات أرادت للحشد الغاضب تفريغ غضبه، ومن ثم عودة المتظاهرين إلى بيوتهم، كما جرت العادة في مناسبات أخرى عديدة.
غير أن هذا التكتيك لم ينجح هذه المرة، فمع انتشار الكلمة في جميع أنحاء القاهرة كان المزيد من الناس، ومعظمهم من الشباب وحفنة من الشابات، يتوافدون ليشقوا طريقهم إلى حي الزمالك.
وكان الحشد الغاضب يحملون الحجارة والزجاجات الفارغة، حيث قاموا برشقها بغضب، ما أدى إلى إصابة أكثر من 30 شرطياً بجروح، وفقاً لوزارة الداخلية المصرية، ليصب الغاضبون جام غضبهم على ناقلة لشرطة مكافحة الشغب، ويشعلوا فيها النيران.
وفي أعقاب ليلة الفوضى هذه، تبنت الحكومة الجمعة سياسة عدم التسامح، فنشرت الآلاف من عناصر مكافحة الشغب في شوارع الزمالك، وأغلقت الطريق المؤدية إلى السفارة الجزائرية، في وجه حركة المرور.
والحال هذه، وكما يحدث في أغلب الأحيان عندما يشعر رجال الشرطة بالإحباط، فإنهم يتحولون إلى الصحفيين، فعندما حاولت مصورة شبكة CNN في القاهرة، ماري روجرز، تصوير امرأة شابة تحمل العلم المصري أثناء مشادة مع أحد رجال الشرطة، اندفع نحو عشرة من رجال الشرطة باتجاهها واستولوا على الكاميرا.
ويقول، مدير مكتب CNN في القاهرة، بن ويدمان، في تلك اللحظة "عندما أبديت احتجاجي، ووضعت يدي على الكاميرا، انقضوا عليّ ومزقوا قميصي، وأمسك اثنان من رجال الأمن المدنيين، وكانا مفتولي العضلات، بالجزء العلوي من ذراعي وسحباني بعيداً."
وبالطبع "عبرت عن احتجاجي على هذا السلوك، الأمر الذي أدى إلى مجيء المزيد من رجال الأمن، وتسبب ذلك لمزيد من الكدمات التي أصبت بها في ذراعيّ جراء هذه المواجهة مع رجال القانون."
"وبعد كثير من الصراخ والاتصالات الهاتفية واللاسلكية، سمحوا لنا بالذهاب، غير أنه كانت هناك مشكلة واحدة، فالشريط اختفى من الكاميرا، وكالعادة، عندما سألنا الشرطة عن الشريط، لم يكن لديهم أي فكرة عما حدث.
وقال شاب شهد ما حدث لنا: "هذه ليست مصر! إنهم ليسوا مصريين"، في إشارة إلى شرطة مكافحة الشغب.
والمشكلة الأساسية على ما يبدو لا علاقة لها بكرة القدم أو الجزائر، بل بوجود استياء عميق بين المصريين، الفقراء والأغنياء على السواء، ضد النظام المصري الاستبدادي والكهل، الذي ينظر إليه كثيرون على أنه أكثر اهتماماً ب