"فيتنام وأفغانستان واستخلاص العبر من الماضي"
الثلاثاء ١٧ نوفمبر ٢٠٠٩
٠٢:٥٠ بتوقيت غرينتش
هل يجب أن تلتزم واشنطن باستراتيجية عسكرية تُعرَف تاريخياً بانخفاض نسبة نجاحها، وهي استراتيجية طُبّقت في فيتنام وتبيّن أنها غير محدودة الأمد ولا الأهداف، وترتكز على عوامل سياسية غير ملموسة وقد واجهتها خطط حربية عشوائية؟
حين تأمل الرئيس كينيدي بمخاطر الحرب العشوائية في العصر النووي- وهي بمنزلة كابوس كان سيواجهه خلال أزمة الصواريخ الكوبية- طلب من أهم مستشاريه قراءة كتاب باربرا تاتشمان «The Guns of August»، الذي يرسم سلسلة الأحداث التي قادت إلى الحرب العالمية الأولى.
اليوم، ها هو الرئيس أوباما يفكر أيضاً في الدروس المستخلصة من التاريخ، ويطلب من مستشاريه التدقيق بأحداث الماضي لمساعدته في التخطيط لمسار أميركا المستقبلي في أفغانستان. من بين «المؤلفات الضرورية» التي يجب أن يقرأها فريق أوباما، كتابي «Lessons in Disaster»، الذي يحلّل كيف عارض أحد مهندسي حرب فيتنام، ماك جورج باندي، تورّط أميركا في ذلك الصراع المأساوي وسعى جاهداً إلى استخلاص العِبر من تلك التجربة «لمساعدتنا في تحسين أدائنا في التعاطي مع العالم مستقبلاً».
بما أن أوباما بصدد تقييم مخاطر تعزيز التزام الولايات المتحدة في أفغانستان، ماذا يمكن أن يتعلّم رئيس البلاد الجديد من كارثة فيتنام؟
يُقال إنّ الرئيس يرى اختلافاً كبيراً في التهديدات التي تطرحها الحربان. كان الشيوعيون في فيتنام مصممين إلى أقصى درجة على توحيد بلدهم، على عكس ذلك، يكرّس تنظيم «القاعدة» نفسه لتدمير أميركا، ولم يكن خصمنا السابق، أي فيتنام الشمالية، يطرح خطراً حقيقياً على مستوى الخطط الاستراتيجية. في المقابل، تتشابك مهمتنا في أفغانستان مع مصالح حليفتنا، باكستان، وهو بلد نووي يشكّل مصلحة أساسية بالنسبة إلى الولايات المتحدة على الصعيد الأمني.
غير أنّ الصراعين يتشاركان في بعض النقاط البارزة، فلم تنجح القوى الأجنبية يوماً في السيطرة على فيتنام، ما جعلها تغلب الصين، وفرنسا، واليابان، والولايات المتحدة، وبالطريقة نفسها، اكتسبت أفغانستان لقب «مقبرة الإمبراطوريات» لأنها نجحت في تدمير الطموحات الاستعمارية للإسكندر الكبير، والبريطانيين، والاتحاد السوفييتي.
خلال عهد كينيدي، كانت فيتنام الجنوبية تحت حكم نغو دين دييم، دكتاتور فاسد وصل إلى الحكم عبر التلاعب بنتائج الانتخابات وادعاء حصوله على 99% من الأصوات. في أفغانستان، نجح الرئيس حميد كرزاي- الذي يعتبره الجميع فاسداً ورئيساً غير شرعيّ- في البقاء في السلطة بعد انتخابات أغسطس، حين اكتُشف تزوير حوالي مليون صوت.
في فيتنام، تلقت حركة التمرد في الجنوب دعماً مستمرّاً ومخبأً دائماً لها من مموليها وراء الحدود في فيتنام الشمالية، وتعززت نشاطاتها عبر «طريق هو شي مِنّه». اليوم، يُقال إنّ عدداً من الناشطين في «القاعدة» الذين كانوا ينفّذون عملياتهم من أفغانستان يتخذون من الحدود المكشوفة في باكستان ملجأً لهم.
من أبرز النقاط المتشابهة بين الحربين سيطرة منطق الاستراتيجية العسكرية. في أفغانستان، اقترح قائد القوات المسلحة، الجنرال ستانلي أ. ماكريستال، تنفيذ مهمة التصدي لأعمال التمرد، وهي مهمة شبيهة لتلك التي طُبّقت في فيتنام. لكن يرى كثيرون أن فشل هذه المقاربة أمر حتمي.
مع استعداد أوباما لاتخاذ أهم القرارات في عهده الرئاسي، سيستفيد كثيراً من الإجابة عن عدد من الأسئلة الجوهرية التي فرضها تاريخنا المضطرب في فيتنام.هل الفشل وشيك حقاً؟
عام 1961، أبلغ الجنرال إدوارد لانسدايل أن «الحرب في فيتنام تمر بوضع حرج... ما يستلزم حلاً طارئاً»، وحذر هذا الأخير من أن الامتناع عن اتخاذ تدابير جذرية لمعالجة الوضع سيؤدي إلى إطاحة الحكومة خلال أشهر. لكن جون ف. كينيدي كان محقّاً بالتغاضي عن هذا التقييم. في المقابل، توقع ماكريستال أن عدم زيادة أعداد القوات والموارد «سيقود على الأرجح إلى فشل» الحرب في أفغانستان خلال سنة. هل توقعه بالفشل مبرر؟هل عدد القوات الراهن غير مناسب فعلاً؟
عام 1961، طلبت القيادة العسكرية زيادة عدد القوات في فيتنام لإعطاء الولايات المتحدة أفضلية عددية على المتمردين الفيتناميين، تكون المعادلة فيها 15 جندياً مقابل متمرد واحد. رفض كينيدي هذا الاقتراح وحث بدل ذلك على «إعادة انتشار القوات المتوافرة لتعزيز فاعلية عملها». يوجد راهناً أكثر من مئة ألف جندي من القوات الأميركية والحليفة في أفغانستان، بالإضافة إلى 85 ألف جندي أفغاني و80 ألف عنصر من الشرطة الأفغانية.
في المقابل، يُقدَّر عدد المتمردين في حركة «طالبان» بـ25 ألف عنصر. بالتالي، تتمتع القوات الأميركية والحليفة والأفغانية بأفضلية عددية تفوق معادلة 10 جنود مقابل متمرد واحد. هل يستطيع أوباما تنظيم الأعداد الموجودة بفاعلية أكبر من دون الحاجة إلى زيادة عدد الجنود؟هل حماية الشعب هي الهدف الصحيح في أفغانستان؟
وافق كينيدي، بعد أشهر من توليه الحكم، على عملية غزو «خليج الخنازير» الكارثية في كوبا، فسرعان ما صرح