تركيا والدور الإقليمي
الثلاثاء ١٧ نوفمبر ٢٠٠٩
٠٢:٤٩ بتوقيت غرينتش
تركيا حالة نموذجية لدولة استطاعت أن تحكم قبضتها على عناصر كثيرة من مقدرات الدور الإقليمي في المنطقة؛ بعد أن مزجت مزجًا عجيبًا وعبقريًّا بين مصادر قوتها الصلبة: (جيش قوي: عددًا وتسليحًا - عدد سكان: كبير ومتنوع - اقتصاد: متين ومتوازن) ومصادر قوتها الناعمة: (صلات تاريخية أوسع بعمقها العربي والإسلامي - تفعيل أكثر للروابط وللأبعاد الثقافية - استثمار أفضل للموقع الجغرافي "الجيوإستراتيجي" - تأكيد أشد على صورتها الذهنية محاولة تقديم نفسها كجسر بين الشرق والغرب؛ وبين الإسلام وأوروبا) وإن كان اعتمادها الأول على عناصر القوة الناعمة؛ وذلك بهدف أن تتحول إلى فاعل إقليمي معترف به ولا تظل محلا للفعل؛ وتخلق توازناتها هي ولا تظل محكومة بتوازنات الآخرين؛ ويكون لديها القدرة على اتخاذ القرارات وتفعيلها ولا تظل رهينة لقرارات الآخرين ومخططاتهم؛ فتركيا حزب العدالة نجحت في دمج حضورها الجغرافي ودورها التاريخي وقوتها الاقتصادية ونفوذ مؤسستها العسكرية في صياغة مشروع جديد.
وإن كنت أحسب أن النجاح التركي على صعيد سياستها الخارجية منذ وصول حزب العدالة والتنمية في 2002 يعود في قدر كبير منه إلى خوجا التجربة الإسلامية الحالية في تركيا ومفكرها الإستراتيجي ووزير خارجيتها الحالي أحمد داوود أوغلو الذي سطّر معالم رؤيته في كتابه "العمق الإستراتيجي" حيث تقوم فكرته المركزية على أمرين:
أولهما: قدرة تركيا على تبريد كل مناطق الصراع حولها لتتمكن من الانطلاق.
وثانيهما: قدرتها على إقامة تحالفات متعددة المستويات تضمن لها المفاضلة بين السيناريوهات المستقبلية المختلفة وتعدد الخيارات والبدائل أمامها؛ عبر سياسة فوز - فوز Win - Win لمختلف الأطراف.
أي أن جوهر رؤية أغلو الشاملة لدور تركيا المستقبلي يتلخص في:
الابتعاد النسبي عن المحاور الصراعية أولا؛ والاقتراب المحسوب من قضايا الجوار الإقليمي ثانيًا؛ وتنويع التحالفات الإقليمية والدولية بما يمكن تركيا من الاستخدام الأمثل لعمقها الإستراتيجي في التأثير على الفاعلين الإقليميين والدوليين ثالثا.
وكلاهما: الشخص "أوغلو" والكتاب "العمق الإستراتيجي" يحتاجان إلى وقفة طويلة حيث استطاع هذا المفكّر أن ينفذ كثيرًا من معالم رؤيته الكلية لما ينبغي أن تكون عليه تركيا الحالية وينزلها "أي الرؤية" من عالم المثال ونظرياته إلى أرض الواقع وتناقضاته؛ وهي رؤية أحوج ما تكون الحركة الإسلامية الحديثة إلى دراستها بعمق والاستفادة من دروسها وما أكثرها؛ وربما كان من العسير فهم تجربة حزب العدالة والتنمية عبر مسيرته إلى الحكم إلا بفهم هذين الأمرين: الشخص ورؤيته.
في سعي تركيا الحثيث إلى الإمساك بمعالم الدور الإقليمي عزفت الدولة بقيادة حزب العدالة والتنمية النشيد الوطني عن "العثمانية الجديدة" وعلاقة تركيا التاريخية والعميقة بالعالم العربي والإسلامي؛ وهي في ذلك تريد تحقيق أمرين:
الأول: السعي إلى استعادة نفوذها الإمبراطوري (وإن كان نفوذًا غير إمبريالي وفي إطار التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة وفي إطار ما يسمى بمحور الاعتدال وهو تصنيف غير محايد وغير دقيق؛ إذ إنه يفترض أن المحور الآخر متطرف).
الثاني: استخدام هذا النفوذ الإمبراطوري كورقة تفاوض أو تساوم بها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بوصفها البوابة الرئيسية للعالم الإسلامي ونموذجه في بناء نظام ديمقراطي متصالح مع الإسلام أو نظام إسلامي مستوعب لقيم الديمقراطية. وقد لخص أردوغان رؤيته للعلاقات التركية - الاميركية بالقول إن: "علاقاتنا تقوم على القيم السياسية المشتركة والشراكة الإستراتيجية".
تضرب القيادة التركية في سبيل تحقيق أهداف سياستها الخارجية في كل محاور الأجندة الدولية ولا تجعل رهانها حبيس الاتحاد الأوروبي - كما كان سابقا - ولا تضع بيضها كله في سلة التحالف الإستراتيجي مع الولايات المتحدة - كما هي عقيدة النخبة العسكرية- وتساوم بكل ما أوتيت من أوراق لعب - حتى توظيف الأيديولوجيا الإسلامية- في سبيل اعتمادها كوكيل في المنطقة: فتتوسط بين إسرائيل وسوريا - لدرجة أن تشترط سوريا أن تركيا هي الدولة الوحيدة المقبولة كوسيط في مفاوضات السلام- وفي نفس الوقت تحتضن حركة حماس بشكل مبالغ فيه؛ وتفتح خطوطها مع إيران بما يضفي حيادية أكبر على دورها كوسيط؛ وتنسج خيوط تحالف عميق مع روسيا بما يجعلها منفذًا لحلف الناتو في التفاوض مع روسيا.
وإذا كان جوهر السياسة الخارجية للدول يرتكز على رؤية إستراتيجية شاملة مؤسسة لدور الدولة في محيطها الجغرافي، وتحديد شبكات تحالفاتها الإقليمية والدولية بما يضمن لها تحقيق أكبر قدر من مصالحها الوطنية.
أقول: بهذا المعنى للسياسة الخارجية فإن تركيا قد أضحت "مركزًا" في السياسات الإقليمية والدولية من جهة؛ وقد حققت قدرًا كبيرًا من مصالحها الوطنية من جهة أخرى.
والمتابع الجيد لأحداث السنوات الماضية يلاحظ عدة أمور:
أولها: أن تركيا أضحت نقطة تقاطع في مختلف ا