مشروع "التغيير التدريجي" في مصر
الإثنين ١٦ نوفمبر ٢٠٠٩
٠١:١٤ بتوقيت غرينتش
يروج كثير من المحللين، والمتصدرين، للعمل السياسي في مصر لما يعرف ب"التغيير التدريجي" للأوضاع السياسية، والاقتصادية، البالغة السوء التي تغرق فيها البلاد، وذلك في مقابل التغيير الجذري "الراديكالي"، الذي يستبعدون حدوثه تماما.
وإذا ما وضعنا ذاك الطرح موضع دراسة، نجد أنه لا يستند على أي أرضية صلبة، ولكي نصل الى اتفاق حول مدى صحة هذا الإدعاء من عدمه، ينبغي بدايةً التسليم بمسلمة ـ لا نظن أنه قد ينشأ حولها أي اختلاف ـ مفادها أن المجموعة التي تستولي على السلطة منذ عقود طويلة لن تتخلى عن أي مساحة من سلطتها تلك، أومن نفوذها، إلا تحت ضغط شديد، ومستمر، ويقظ، (وهو ما يُعول عليه لإحداث أي تغيير تدريجي)، وبديهيا لابد أن تكون الجهة أو الجهات التي تمارس الضغط تملك من القوة، ما يؤهلها لذلك، فإذا ما ألقينا نظرة سريعة على الساحة السياسية، لما وجدنا بين لاعبيها من يمكن أن يقوم بهذا الدور، فالنظام استطاع وبنجاح أن يستميل بعض من قوى المعارضة بفتات من الامتيازات، وبتحقيق بعض المصالح الشخصية لقيادات تلك القوى، ومن ثم تدجنت، وصارت لا تشكل عليه ضغطا، من أي نوع، وهناك قوى أخرى إما تم تغييبها عن طريق تجميدها (كحزب العمل)، أو تم تفجيرها من الداخل (كحالة حزب الغد، والتي تعد نموذجا مثاليا لتلك الوسيلة)، وتأتي الفئة الثالثة، وهي لا تندرج تحت أي من الفئتين السابقتين، إنها جماعة الإخوان المسلمين، التي تعد أقوى تيارات المعارضة، وأكثرها تنظيما، غير أنه إلى جانب كون القيادة الحقيقية التي تنضوي الجماعة تحت لواءها من غير السياسيين ـ وذلك يحد كثيرا من فاعليتها ـ فإضافة الى ذلك، استطاع النظام أن يجعل الجماعة في موضع الدفاع على الدوام، حتى وإن تمكنت في بعض الأوقات من الفوز بشئ من المكاسب، أو النجاحات، فسرعان ما تسلب هذه المكاسب، أو تلك النجاحات، مستخدم النظام لتحقيق ذلك كافة مقدرات الدولة، والتي تخضع لكامل سيطرته.
ورغم موجات الغضب العارمة، التي باتت تسري في عروق المصريين، نتيجة لازدياد سوء الأوضاع بصفة عامة ( بخاصة الاقتصادية منها )، يظهر ذلك جليا في الإحصاءات، التي تناولت تعداد الإضرابات، والاعتصامات، والاحتجاجات، في السنوات الأخيرة الماضية، بيد أنه لا يمكن أن نعتبر ذلك الغضب رصيدا لدى قوى المعارضة، فبجانب أن ظروفها الراهنة لا تتيح لها استثمار تلك الحالة، لكن إذا ما فرضنا جدلا أنها تستطيع التغلب على حالة الضعف، والتفكك، التي تغرق فيها ـ رغم عدم وجود أي دلائل تشير الى حدوث ذلك، في القريب العاجل أو حتى البعيد الآجل ـ لكننا إذا ما فرضنا ذلك، سنجد هذه القوى تظل عاجزة أيضا عن استغلال حالة الغضب المتأجج التي يعيشها المصريون، وتزداد يوما بعد يوم، فطبيعة ذلك الانفعال تأبي أن يتم استثماره بصورة غير مباشرة، فأنت لا تستطيع أن توجه الجموع الغاضبة لأن تشارك في الحياة السياسية، عن طريق تلك الأحزاب والجماعات، وتقنعها أن مشاركتها تلك ستمد هذه الأحزاب والجماعات بالقوة اللازمة للضغط على النظام، من أجل تحصيل بعض المكاسب السياسية (بخاصة مع الحالة ـ ولا نقول الطبيعة ـ التي تسيطر على الجماهير ـ نتيجة لأسباب عدة، ليس هنا بمجال ذكرها ـ وتتمثل في عزوف تام عن المشاركة السياسية)، فكما قلنا إن طبيعة ذلك الانفعال غير قابلة للاستثمار بواسطة تلك الطريقة.
ننتقل الى نقطة أخرى في تفنيد مقولة "التغيير التدريجي" تتمثل في طرح المفكر المصري جمال حمدان، الذي ذهب في تشخيصه للداء الرئيس الذي تعاني منه مصر في أنه هو نفسه الحل الذي يطرحه كثير من محللينا، وخبراءنا السياسيين، للخروج من المأزق الذي تحياه البلاد منذ أمد بعيد، ولقد جاء طرح حمدان ليس فقط نتيجة لقراءة الواقع ـ وهو ما توقفت عنده العقول القاصرة التي اعتمدت مقولة "التغيير التدريجي" كسبيل وحيد للخلاص ـ بل تضمن أيضا استدعاءا للتاريخ، واستخراجا لدروسه، وإملاءاته، و كذلك استشرافا للمستقبل ومتطلباته، فيذهب جمال حمدان الى القول بأن مأساة مصر الحقيقية تتمثل في أنها "لا تأخذ في وجه هذه الأزمات الحل الراديكالي قط، وإنما الحل الوسط المعتدل، أي المهدئات والمسكنات المؤقتة، والنتيجة أن الأزمة تتفاقم وتتراكم أكثر. ولكن مرة أخرى تهرب مصر من الحل الجذري الى حل وسط جديد، وهكذا"، وهو ما يؤدي في رأيه الى أنه حتما "سنصل يوما ما الى نقطة الانكسار بعد الالتواء، وبدل المرونة سيحدث التصادم، ومحل المهدئات ستحل الجراحة، أي سنصل الى نقطة اللاعودة الى الحل الوسط، وعندئذ سيفرض الحل الجذري الراديكالي نفسه فرضا، ولكن بعد أن يكون المستوى العام قد تدنى الى الحضيض، والكيف قد تدهور الى مجرد كم، والمجد الى محض تاريخ، وذلك هو الثمن الفادح للاعتدال".
إذن فما يطرحه هؤلاء كدواء لحالة البلاد ما هو ـ في حقيقة الأمر ـ إلا دائها التاريخي ـ إن صح التعبير ـ الذي هو "مقتلها البطئ المزمن على مر الزمن" (بتعبير حمدان)، ويذهب المفكر الى أن المخرج من تلك الحالة يتمثل في الحل الجذري ال