النصر في الحرب الباردة كان بداية مثلما كان نهاية
الأحد ١٥ نوفمبر ٢٠٠٩
١١:١٦ بتوقيت غرينتش
«الأزمة طريقة غريبة للاحتفال بذكرى سنوية». هذه الملاحظة الطريفة والغريبة جاءت على لسان إريك بيرجلوف، كبير الاقتصاديين في البنك الأوروبي للإعمار والتنمية.* مع ذلك، الأزمة هي ما نراه في البلدان التي بدأت السير بعيداً عن الشيوعية قبل عقدين من الزمن. لذلك نتساءل: هل فشلت الرأسمالية، مثلما فشلت الشيوعية؟ الجواب باختصار: «لا». بعض البلدان الانتقالية تعاني الآن من أزمة، لكن الانتقال نفسه ليس في أزمة. ينطبق الحكم نفسه على البلدان الأخرى: البلدان الرأسمالية تعاني الآن من أزمة، لكن الرأسمالية نفسها ليست في أزمة. الفضيلة الكبرى للديمقراطيات الليبرالية وبلدان اقتصاد السوق هي قدرتها على الإصلاح والتكيف. وقد أظهرت هذه السمات من قبل ولا بد لها أن تفعل ذلك من جديد.
بالنسبة لأولئك الذين ولدوا مثلي بعد الحرب العالمية الثانية بفترة قصيرة، كانت الحرب هي الصراع الفاصل من الناحية الفكرية والسياسية لعصرنا الحالي. ومع انهيار الشيوعية انتهى عصر كارثي من السياسة وانتهى وهم اقتصاد التخطيط المركزي العقلاني. انتصرت الحرية التي تعطيها الديمقراطية وانتصرت الرفاهية التي تعطيها الأسواق. لكن حقيقة أن صوت انهيار الشيوعية لم يكن فرقعة مدوية وإنما بكاء خافتا، يعود الفضل فيها بدرجة كبيرة إلى ميخائيل جورباتشوف.
مع ذلك عام 2009 يعتبر سنة صحوة ننظر منها إلى الفترة السابقة. قبل سنة كانت الرأسمالية تترنح على شفا جرف مرتفع. ومن خلال جهود ضخمة تمكنت الدول من إعادتها إلى مسارها. في بحث جديد ممتاز من تأليف بيرجورجيو أليساندري وأندرو هالدين* من بنك إنجلترا، ذكر المؤلفان أن القيمة الإجمالية الكلية للمبالغ التي دفعتها الحكومات لصالح البنوك بلغت 14 ألف مليار دولار. وهذا هو عبارة عن اشتراكية الدولة.
بالتالي ماذا تعني الأزمة بالنسبة للبلدان التي خرجت من الاشتراكية قبل عقدين من الزمن؟ وماذا تعني كذلك بالنسبة للعالم؟
بالنسبة للبلدان التي خرجت من الاشتراكية، تعني هبوطاً كبيراً في الناتج. وفقاً لتقارير البنك الأوروبي للإعمار والتنمية، الهبوط في الناتج المحلي الإجمالي للبلدان الانتقالية سيبلغ في المتوسط 6.2 في المائة عام 2009. ومعدلات الهبوط بينها اختلافات كبيرة.
مثلاً يبلغ معدل الهبوط في ليتوانيا 18.4 في المائة، لاتفيا 16.0 في المائة، أوكرانيا 14.0 في المائة، وفي استونيا 13.2 في المائة (وهذه كلها أرقام تعني قدراً كبيراً من الكساد). وهناك حالات تقل فيها معدلات الهبوط عن ذلك، إذ يبلغ 7.8 في المائة في سلوفينيا، 6.5 في المائة في هنغاريا، 6.0 في المائة في سلوفاكيا، و4.3 في المائة في جمهورية التشيك. ومن المتوقع أن يحقق الاقتصاد البولندي هذا العام نمواً بنسبة 1.3 في المائة. وبصورة عامة يقول البنك: «حجم الهبوط مرتبط بطفرات الائتمان والمديونية الخارجية في المرحلة السابقة على الأزمة». ولا شك أن انفجار الفقاعات أمر مؤلم.
حالات الانهيار المذكورة حقيقية ومثيرة للقلق، لكننا بحاجة إلى أن نضعها في سياقها الصحيح. أولاً، كثير من البلدان الانتقالية شهدت زيادات كبيرة في الناتج بعد الانهيار الأولي، والحتمي إلى حد كبير، الذي أعقب سقوط الاتحاد السوفياتي. وكانت بولندا هي البلد النجم. وبصورة عامة كانت البلدان الناجحة هي البلدان التي طبقت إصلاحات كبيرة وجادة أكثر من غيرها. ثانياً، ولعل في ذلك نوع من المفاجأة، لم تكن هناك حالات ارتداد كثيرة عن الإصلاح بين البلدان الانتقالية. وكما جاء في تقرير البنك الأوروبي «التغيرات الحكومية منذ أوائل عام 2008 إما أنها لم تؤد إلى أي تغير يذكر بالنسبة للموقف الإصلاحي، وإما أنها بالتأكيد كانت تؤيد الأحزاب المؤيدة للإصلاح».
وهذا ينسجم تماماً مع ما يحدث في عالم الأسواق الناشئة بصورة عامة. إن غياب الأنموذج الاقتصادي الذي يشكل بديلا حقيقيا أمر بين. ويبدو أن نهج المغامرات الشعبوية يفتقر إلى الجاذبية.
وفي الوقت الذي يزداد فيه زخم الانتعاش في مختلف أنحاء الاقتصاد العالمي، فإن التركات الكبيرة المتخلفة عن انهيار الإمبراطورية السوفياتية (مثل تكامل معظم أوروبا وما رافق ذلك من انتشار الحرية إلى الحدود الروسية، إن لم يكن وراءها) ظلت على حالها.
مع ذلك، الأزمة تعطينا عبراً مهمة. وقد وضع الفيلسوف كارل بوبر أسس المنهج السليم، بتمييزه بين «الهندسية الاجتماعية التي تتم على مراحل صغيرة» والتي تهدف إلى التخفيف من أمراض بعينها و»الهندسة الاجتماعية الطوباوية» الرامية إلى تحويل المجتمع بأكمله، وهو هدف انتهى من الناحية العملية إلى أن «أدى فقط إلى استخدام العنف بدلاً من العقل».
يجب على المصلح أن يضع يده على سبب المرض قبل أن يحاول العلاج. وفي حالة الأزمة الحالية مصدر الفشل لا يكمن في نظام السوق ككل بقدر ما هو في جوانب النقص الموجودة في الأنظمة المالية والنقدية في العالم، وبعض جوانب النقص الموجودة لا مفر منها. والمستقبل بطبيعته يتسم باللبس وستُرتكَب أخطاء كبي