التناقض العقيم..بين أميركا وإسرائيل
الأحد ٢٥ أكتوبر ٢٠٠٩
٠١:١٥ بتوقيت غرينتش
في الأصل خلقت إسرائيل لتكون قاعدة متقدمة للغرب، تخوض حروبه في المنطقة امتداداً الى بعيد، حتى الحدود مع الاتحاد السوفياتي ..حينما كان.
الوضع الآن معكوس ..ليس فقط الى حد ان الولايات المتحدة اصبحت تخوض حروبها بنفسها في الشرق الاوسط... بل معكوس الى حد ان اسرائيل تطالب الولايات المتحدة بخوض حرب ضد إيران، وتتهمها بأنها تدفعها دفعا نحو حرب يتوجب على اميركا خوضها ضد ايران.
اغرب ما في هذا التغير الاستراتيجي انه يتوافق زمنياً مع زوال الخطر الاستراتيجي الأكبر على الولايات المتحدة والغرب كله، بزوال الاتحاد السوفياتي ومنظومة الدول الاشتراكية وحلفها العسكري، الذي كان يسمى ـ اذا كان احد قد نسي ـ حلف وارسو.
سقط الاتحاد السوفياتي وأصبحت روسيا اقرب الى حليف للغرب اكثر منها خصم، لكن اسرائيل لا تزال تحتفظ بكل المزايا والامتيازات التي كانت لها عندما كان دورها الاساسي دور القاعدة المتقدمة للدفاع عن مصالح الغرب في الشرق الاوسط بالتصدي للاتحاد السوفياتي، خاصة اذا اقترب من التحرك نحو غزو حقول النفط في منطقةالخليج الفارسي ـ وفقاً للعنوان الذي صاغه الوزير الاميركي الأسبق هنري كيسنجر، عندما كان الخطر السوفياتي على المصالح الاستراتيجية القصوى للولايات المتحدة وحلفائها، متمثلا في مصادر الطاقة النفطية في هذه المنطقة.
كانت اسرائيل تفاخر بأنها تكلف الولايات المتحدة اقل كثيرا مما تكلفها نفقات حلف الاطلسي، ومع ذلك فإنها تقوم ـ كانت تقوم في حقيقة الامر ـ بدور يفوق في اهميته دور حلف الاطلسي في المواجهة مع «الكتلة الشرقية». مع ذلك فإن اسرائيل لا تزال مستمرة في جني المزايا والامتيازات المادية والسياسية من الولايات المتحدة في صورة مساعدات اقتصادية وعسكرية وضمانات قروض، وفي صورة التزام اميركي اصم بكل ما يحمي اسرائيل أمنياً وسياسياً وقانونياً. بعد زمن تراجع دور اسرائيل من قاعدة متقدمة الى عبء ثقيل لا يتحمل عن الولايات المتحدة اية أعباء عسكرية في المنطقة. دور أصبح يراكم على الولايات المتحدة ديوناً سياسية وقانونية ومعنوية في علاقاتها بالدول العربية والاسلامية وغيرها.
هذا كله بالإضافة الى ان حروب اميركا في المنطقة، هي لحماية اسرائيل استراتيجياً وأمنياً بالدرجة الاولى وحتى الثانية والثالثة... والاخيرة. فيما تحارب اميركا بنفسها في العراق وأفغانستان وباكستان، وتُدفع دفعاً للدخول في حرب مع ايران، حرب يمكن ان تفوق كل هذه الحروب مجتمعة في نفقاتها البشرية والمادية، لا تزال اسرائيل تحصل من الولايات المتحدة سنوياً على 5 مليارات و525 مليونا من الدولارات (حسب آخر الارقام المتاحة وهي ـ صدق او لا تصدق ـ ارقام عام 1997). وقد كتب ريتشارد كيرتيس رئيس التحرير التنفيذي لشهرية «واشنطن ريبورت» المعنية بشؤون الشرق الاوسط ـ وهو دبلوماسي اميركي سابق ـ إن هذا المبلغ في الحقيقة يكلف دافع الضرائب الاميركي اكثر من هذا، لأن هذا المال مقترض وتدفع الخزينة الاميركية عنه فوائد للمقرضين (من بينهم الصين). وتوصل كيرتيس حسابياً الى ان الولايات المتحدة دفعت لإسرائيل خلال السنوات من 1949 الى 1997 ما يربو على 134 ملياراً و800 مليون من الدولارات، وأن الولايات المتحدة تخسر سنوياً فوائد على الاموال التي تدفعها لاسرائيل لأنها تلتزم بالدفع لاسرائيل في الشهر الاول من السنة المالية، فتخسر بذلك ما كان يمكن ان يكون فوائد على هذه الاموال لو كانت تدفعها في النصف الثاني من السنة المالية او في أواخرها كما تفعل مع الدول الاخرى الافريقية واللاتينية. ويبقى ان مبالغ المساعدات التي تدفعها الولايات المتحدة لإسرائيل هي بمثابة هبات لا ترد، ولا يشترط عليها ان تستخدم في شراء سلع او خدمات اميركية كما هي الحال مع الدول الاخرى التي تحصل على مساعدات اميركية بما فيها مصر.
لا تزال اسرائيل تحصل على ما يوازي 23 الفاً و 240 دولاراً لكل إسرائلي، رجلا كان او امراة او طفلا، وهي البلد الذي يقل تعداد سكانه عن ستة ملايين نسمة ويبلغ نصيب الفرد فيه من اجمالى الانتاج القومي 25 الفاً و800 دولار سنويا (حسب ارقام عام 2006) وهو اعلى من نصيب الفرد من اجمالي الانتاج القومي لإيرلندا وإسبانيا وأقل قليلا منه في بريطانيا وإيطاليا.
ويلاحظ ان السنوات العشرين الاخيرة ـ على الاقل ـ لم تشهد فقط تحول اسرائيل من رصيد استراتيجي للغرب ـ للولايات المتحدة بشكل خاص ـ الى دين استراتيجي، بعد ان اصبحت اميركا تضحي بحياة آلاف من شبانها في حروب شرق اوسطية، إما دفاعاً عن اسرائيل بالمعنى المباشر او لصيانة مصالح استراتيجية وأمنية لها... انما شهدت هذه السنوات ايضاً سياسة اسرائيلية تتعمد توريط الولايات المتحدة في مشكلات يفترض ان لا تقع في دائرة اهتماماتها المباشرة. على نحو ما حدث في جورجيا وعلى نحو ما يحدث في لبنان وما حدث على اثر الانتخابات الاخيرة في ايران. وأصبحت استراتيجية اسرائيل الراهنة الرامية الى إضعاف الرئيس الاميركي امام خصومه الداخليين والخارجيين