بؤس النخب السعودية والفعل المؤجّل
الإثنين ١٩ أكتوبر ٢٠٠٩
٠٩:٥٧ بتوقيت غرينتش
أن تكون نخبوياً في السعودية فعليك أن تختار أحد طريقين: الانعزالية أو التماهي مع الراهني، وبهذا فكل منهما يخوض، من حيث تكوينه الأيديولوجي، الصراع ضد نقيضه، في سياق لعبة أضداد لا متناهية، فالحرية تتلبّس شكلاً استبدادياً، والانفتاح يغدو مجالاً مغلقاً للمتماثلين غريزياً، وحتى الليبرالية ذاتها تتحول الى مجرد نزوة متوحشّة في لحظة تورّم الذات.
وقبل الإسهاب في توصيف خصائص كل واحدة من هاتين الفئتين النخبويتين، يلزم الإضاءة، بصورة مقتضبة، على فئة نخبوية ثالثة، مثّلت خلال عقدين الرهان الأخير، وفي تقويم ما الأكثر إشراقاً، في معركة التغيير. فقد تعرّضت هذه الفئة الى ما أسماه فوكو بعملية النبذ، بأشكال شتى، فكان من غير المسموح لها أن تبوح بأي شيء، ولا تعبّر عن نفسها في أي شكل، وبقيت، وما زالت، تناضل كيما تطابق بين وعيها، وهويتها، ووظيفتها. وإذا كان من مكاسب سياسية تحقّقت على الأرض، فإنها ثمار لمجهودات بذلت في لحظة مناسبة، كسرت فيها هذه الفئة حاجز الصمت، وقبلت أن تقايض مصالح خاصة مرجوّة بحقوق جماعية مأمولة.
لا يخدر الإحساس، في توصيف الفعل الريادي لهذه الشريحة، حيال ما أنجزته حتى الآن، لغض الطرف عما كان منتظراً منها. ولأن التغييرات الكبرى، في تاريخ المجتمعات، تستوجب على الدوام تضحيات بحجمها، فإن التعويل على فعالية سياسية موسمية أو ظرفية، كالتي شهدناها إبان أزمات إقليمية (حرب الخليج الثانية 1990 ـ91، وحرب العراق 2003 على وجه الخصوص)، ليس ريادياً بالمعنى السياسي التام، حيث تكون المبادرة مشروطة بفعل الآخر، الخارجي. وقد يكون خيار إعادة التموضع بالنسبة لأفراد هذه الفئة النخبوية الأسلم، ولكنه ليس الأنجع، فقدر التغيير يتطلب شروطاً أخرى، غير تلك التي اعتادتها، وأبرزها إرادة الفعل في ظروف معاكسة.
بالنسبة لأولئك الذين جنحوا نحو التخلي بصمت عن إرادة أن يكونوا ذاتاً فاعلة، أدمنوا، حد الهوس، بما أسماه دريدا (مرض الأرشيف)، أي العيش على ذكريات النضال القديم، حيث يتحوّل الماضي الى مأوى لأحلامهم المجهضة، أو المغدورة. وفيما يرتدي الماضي النضالي زياً نوستالوجياً، وسلوة لنخبة ساكنة، فإن وظيفة الماضي هذا لا تقتصر على مجرد إيقاف الزمن فحسب، بل أن يغدو أداة عرقلة لعمل الوعي، كونه يبقي على ثبات حالة الأشياء، بما يحيل الوعي ذاته، في نهاية المطاف، إلى فعل ماضوي، تكويناً، وسلوكاً. ولكن هذا الزمن الذي يهرم بأفراد النخبة هذه، لا يكف عن مواراة ذاكرة النضال التي تنضب مع حلول زمن آخر، حتى وإن كان مغموراً بالزيف.
ولطالما استنزف الحنين للأيام الخوالي، حين كان فيها النضال القومي بكل تلاوينه الأيديولوجية والسياسية يعقد روابطه مع أمكنة المواجهة العربية ضد الاستعمار الغربي والاحتلال الصهيوني، الى حد جمود المشهد، حتى ليخيل للمرء أن هذا الاستذكار المتناوب يبعث رسالة للخصم على استسلام هذه الفئة، لأنها لم تعد قادرة على الخروج من أرشيفها، فيما يبقى دور مرتقب شاغر لا بد لها أن تملأه في راهن ما زال في مسيس الحاجة الى إيصال ما انقطع، درءاً لغدر الزمن.
أما النخبوي المتماهي مع راهنه، فإنه يجنح نحو التزّلف للسلطة، الراعي الرسمي لهذا الطراز من النخبوي، فيعقد مصالحة مع خارجه، أي مع السلطة السياسية الحاضنة له، التي يستمد منها هويته المستعارة، المؤقّتة، وهناك، فحسب، يلعب الجيشان الغريزي دوراً ماكراً ليعقد قراناً غير شرعي بين الهوية المستعارة والوعي النخبوي الذي يفضي الى تزييف الفعل، فيخرج الوعي في عرض هزلي لذات محقونة بكل أشكال التهتّك الناجمة عن عملية المصالحة تلك. فلا يغدو النخبوي بزي ليبرالي، على سبيل المثال، مناصراً للحرية بل خصماً لدوداً لأفعالها، السياسية منها بوجه خاص. بل تصبح مناوأة كل ما هو وثيق الصلة بالحرية، مجالاً ابتكاراً وتنافسياً بين أفراد النخبة المندغمة في السلطة، امتثالاً لأخلاقيات غريزية فظّة.
لا ريب، أن «حروب النيابة» التي خاضها بعض أفراد النخبة السعودية في السنوات الأخيرة حقّقت أغراضها السلطوية، لأنهم رفعوا لواء التحديث، وليس الحداثة، فنالوا شهادة تمجيد دولية. حين ينبري بعض أفراد النخبة للدفاع ببسالة مفتعلة عن مشاريع الحكومة، بصرف النظر عن مخرجاتها، فإن ثمة «فايروس» خطيراً بات على مقربة من صميم الوعي النخبوي، الليبرالي بوجه الخصوص. وبحسب المدّعى، لم تكن الليبرالية، يوماً ما، في وارد تمجيد أفعال خصومها، لو لم يكن ثمة من صادر منها إرادتها، ووظيفتها. وللسبب ذاته، لا دهشة في أن تتلبّس الليبرالية السعودية طائفية جامحة، كما شهدنا ذلك في حرب تموز 2006 على لبنان وكذلك في والعدوان على غزة 2008 ـ 2009، وفي ذلك دلالة بالغة على استلاب المعنى الليبرالي لدى النخبة الحديثوية، السلطوية بامتياز. أليس تطابق الألفاظ، والنبرات، والأهداف، بين السلطة والنخبة المتزلّفة لجهة الطعن في خيار المقاومة، وتهوين القضية الفلسطينية، بمثابة لوحة إرشادية الى عقم الوعي النخبوي.
لوهلة