بالروح بالدم نفديك يا أقصى
الأحد ٠٤ أكتوبر ٢٠٠٩
٠٦:١١ بتوقيت غرينتش
يبدو أن الإسرائيليين لم يستخلصوا الدروس والعبر من المواجهات السابقة وفي مقدمتها إصرار الشعب الفلسطيني على الدفاع عن مقدساته ودرء أية مخاطر تتهدد الأقصى بفدائه بالروح والدم والتصدي لمحاولات التهويد للمدينة المقدسة مع إيمانهم بأن للبيت رباً يحميه. فما حدث الأحد الماضي في المسجد الأقصى المبارك من قمع إسرائيلي للمصلين اثر التصدي لمحاولة متطرفين صهاينة اقتحام الأقصى بحجة أداء طقوس تلمودية في باحاته بمناسبة ما يسمى بـ "عيد الغفران" اليهودي تحت حماية الشرطة وقوات الأمن الإسرائيلية التي استخدمت الأعيرة المطاطية والغازات والقنابل الصوتية والرصاص الحي داخل باحات الحرم القدسي وما نجم عن ذلك من إصابة العشرات سواء بالأعيرة أو بسبب الغازات السامة وقد حولت السلطات الإسرائيلية مدينة القدس، خاصة البلدة القديمة إلى ثكنة عسكرية مشددة، ودفعت بالآلاف من عناصر شرطتها وحرس حدودها ووحداتها الخاصة والجيش إلى المدينة ونشرتها على بوابات المسجد الأقصى ومنعت المقدسيين من الدخول إلى المسجد.
ويعيد هذا المشهد إلى الأذهان مجددأ ما حدث في الأقصى عام 2000م من مواجهات راح ضحيتها العشرات دفاعا عن الأقصى عندما أقدم المجرم شارون ومعه عصابات سفك الدماء من الشرطة والجنود والمخابرات الصهيونية المدججة بالسلاح لاقتحام المسجد الأقصى تحت حجج وادعاءات وافتراءات كاذبة بزيارة "الهيكل المزعوم" الذي لا وجود له إطلاقا لا فوق ولا تحت الأرض.
وقد تسبب هذا التصعيد الإسرائيلي الخطير حينها إشعال الأراضي الفلسطينية فيما عرف بانتفاضة الأقصى بعد أن منيت مفاوضات السلام في كامب ديفيد بالفشل وكان من أهم أسبابه طلب (إسرائيل) بالسيطرة الفعلية تحت المسجد الأقصى ولم تقتنع بعدم حقيتها بذلك بل امتدت ممارساتها حتى وصل الحال إلى محاولة الاعتداء على حرمة المسجد الأقصى المبارك مع كل ما أسفر عنه ذلك من تداعيات قادت المنطقة إلى موجة جديدة من التوتر وعدم الاستقرار. وهذا يذكرنا بالجرح القديم منذ أربعين عاماً عندما أقدم المجرم المتطرف المدعو مايكل روهان في 21 أغسطس 1969م على فعلته الإجرامية بحرق المسجد الأقصى بدم بارد على مرأى ومسمع العالم الذي وقف متفرجاً دون اتخاذ قرار عقابي ضد المجرم ومن يقف وراءه والزامهم بعدم الاعتداء على الأماكن المقدسة واليوم التاريخ يعيد نفسه بوتيرة قديمة/جديدة من مسلسل الاستفزازات الإسرائيلية، حيث تكمن خطورة هذا التصعيد الإسرائيلي أيضاً في أن ما تقدم عليه (إسرائيل) في ظل ممارساتها واستفزازاتها المتكررة بانتهاك حرمة المقدسات وعلى رأسها المسجد الأقصى المبارك قد يشعل شرارة جديدة لا يعلم أحد مدى تداعياتها وانعكاساتها على المنطقة خاصة وان المسجد الأقصى يشكل خطاً أحمر ليس فقط للشعب الفلسطيني بل وللأمتين العربية والإسلامية.
فالأمر جداٌ خطير ويتطلب وضع قضية الأقصى والأماكن المقدسة والقدس على رأس جدول الأولويات في أي تحرك يستهدف إحياء عملية السلام، وهو ما يتطلب موقفا فلسطينياً وعربياً وإسلامياً يتجاوز روتين إصدار بيانات الشجب والاستنكار كما تعودت عليه جامعة الدول العربية والمؤتمر الإسلامي والصعود إلى موقف استراتيجي يُطرح في كافة المحافل الدولية وعلى كل من يتغزل بـ "سراب السلام" وتوجيه رسالة واضحة (لإسرائيل) والإطراف والدول الداعمة لها وللعالم أجمع بأن الأقصى والقدس بمثابة خط أحمر للأمتين العربية والإسلامية لا يسمح يتجاوزه، وقد حان الوقت كي تعبر الشعوب العربية والإسلامية عن مواقفها إزاء ما تتعرض له القدس والأقصى ودعم المطلب الفلسطيني العادل بوضع القدس والأقصى على رأس سلم الأولويات بدلاً من اللهث وراء "سلام موهوم" حيث لا يعقل أن تتواصل مثل هذه الممارسات في الوقت الذي تجري فيه من هنا وهناك مفاوضات سلمية التي تعطي (إسرائيل) مزيداً من الوقت والستار لتواصل تنفيذ مخططاتها الخفية والعلنية من اعتداءات واستفزازات وتهويد وتشريد وهدم وقتل واعتقال يومي، فمن الأجدى أن تنضم قضية القدس والأقصى وحصار غزة وإعادة اللاجئين والأسرى لتشكل أولوية إلى جانب قضية وقف الاستيطان عند الحديث عن شروط استئناف عملية السلام التي لم تبق منها (إسرائيل) سوى اسمها.
أن لهيب نار غيرة وحرقة الاعتداء على المسجد الأقصى عند المقدسيين قد امتد إلى عرب الداخل والغزيين بالقيام بمظاهرات عارمة تندد وتدين الاعتداء على أولى القبلتين وثالث الحرمين وتستنكر الصمت العربي والإسلامي لوقف هذا العبث والتحدي والاستفزاز والاستهتار الإسرائيلي بتراثهم ومقدساتهم وطالبوهم بالنفير وشد الرحال للدفاع عن الأقصى والقدس .
*د. أيمن أبو ناهيــة