المقاومة في «عرش الربّ»... أرض المُشمُش والكَرَز

الأربعاء ٢٦ يوليو ٢٠١٧
٠٤:٠٥ بتوقيت غرينتش
المقاومة في «عرش الربّ»... أرض المُشمُش والكَرَز هنا «عرش الربّ». هكذا كان اسمها، يُقال، في لسان الآراميين. إن جاء الاسم مِن العُلو، فهي عالية جدّاً، وإن أتى مِن صلابة هياكل مُفترضة، فصخرها أصلب مِن الصخر، وإن استُحضِر مِن قسوتها، باستلهام وعثاء السفر إلى الربّ، فهي كذلك وأكثر. كثيرة الشوك... وقد جاءها اليوم سالكو «درب ذات الشوكة».

العالم - لبنان

هنا عرسال، لا، نراها الآن مِن علٍ. هنا جرود عرسال، وبتحديد جغرافي أدقّ: هنا جرود عرسال المُحرّرة. أن تمدح حزب الله، الآن، لما أنجزه ويُنجزه هناك وأبعد، فهذه موجة شائعة أخيراً. لا حاجة إلى ذلك. الوصف يكفي. عيون الصحافيين، الآتين مِن غير «بيئة» الحزب خاصّة، كان إفصاحها أمس كافياً: يا الله! ما هذا! أحدهم عندما رأى آليات الحزب، مدافعه وصواريخه، كيفية عيش أفراده هناك وأسلوب تنقّلهم وتوزّعهم، ألفتهم مع التراب والصخر والهواء، لم يتمالك نفسه قائلاً: «يقولون حزب الله دولة؟ لا، إنّهم شيء آخر تماماً.

مَن يسمع ليس كمن يرى». يضحك أحد الحزبيين، عند إحدى نقاط الحرس، مُعلّقاً: «إنّه لم يرَ شيئاً بعد». كان هذا الشاب يُمازح الضيوف المدنيين الآتين مِن بعيد. ذهب قليلاً وعاد بيده «واجب الضيافة». علب عصير صغيرة. عصير «مانغو» تحديداً.

نبتعد عن نقطة الحرس. تُفصح الوعورة عن نفسها. الجبال العالية الخشنة. أرض مخيفة نهاراً، شمسها حارقة، هواؤها يلسع الوجوه، يُنشّفها، جرداء واسعة مهيبة، فكيف تكون ليلاً! في الشتاء حكاية أخرى. ليست صالحة للسكن البشري، لكن، مع ذلك، سكنها هؤلاء.

بعض أفراد «التعبئة» الذين شاركوا في تحرير الجرود عادوا إلى منازلهم وأعمالهم لسببٍ يقدرون على فعل ذلك. هنا هُزِم، تقريباً، مقاتلون عقائديّون أشدّاء، أشدّاء جدّاً، ولا غضاضة أن يُسجّل ذلك لهم. مقاتلو «القاعدة» ليسوا هواة. بأسهم شديد. مقاتلون خبروا تلك الأرض، على مدى سنوات، احتلّوها، وأسسوا فيها ما ظنّوا أنّها «شخاريب» ستمنعهم مِن ذاك الحزب. أوهام على أوهام. ما بالُ هذا الحزب لا يُهزم! يُمكن الآن فهم بعض كارهيه أكثر. إنّه لم يدخل حرباً وهُزِم. هذا يكفي لفيض مرارة بعض الأنفس.

لـ"إسرائيل" أن تخشى حزب الله، الآن، أكثر مِن أيّ وقت مضى. لقد خاض هذه المواجهة الأخيرة بأعداد كبيرة مِن قوّات «التعبئة». هؤلاء، ولا بدّ هنا مِن الشرح، لا يتقاضون أموالاً لقاء عملهم في الحزب. إنّهم ليسوا متفرّغين، ولا متعاقدين، بل متطوّعون وفق منظومة خاصة بالحزب. مِنهم النجّار ومِنهم سائق الأجرة ومِنهم الموظّف ومِنهم مَن يعمل في أرضه ومنهم الطالب، وهكذا. بعض الذين شاركوا في معارك الأيّام الأولى، في جرود عرسال، وحرّروا أكثر مِن ثلثي المساحة التي يُسيطر عليها تنظيم «القاعدة» (النصرة وما شاكل) عادوا إلى منازلهم. عادوا إلى البقاع وبيروت والجنوب وحيث سكنوا. مِن هؤلاء «التعبئة» كان شهداء أيضاً. إنّهم ليسوا «قوّات النخبة». الإسرائيلي يعرف هذا جيّداً، حتماً، والحزب حريص على أن يُعلِمه ذلك. لا تقاس طبيعة جنوب لبنان، وجنوباً أكثر نحو الجليل وأبعد، بطبيعة جرود عرسال. مَن وطأ الأرضين يعرف أنّ الجنوب وجنوبه، بالنسبة إلى المقاتل، الذي خبر أوعر ما يُمكن تخيّله، ستكون بمثابة إجازة للراحة. القياس نسبيّ هنا.

في جرود عرسال، أمس، كشف لـ«الأخبار» مسؤول عسكري مِن الحزب، أنّ أبو مالك التلّي «كاد أن يُقتَل أكثر مِن مرّة في معارك الأيّام الأخيرة. حدّدنا مكانه بدقّة، واستهدفناه، ولكنّه كان ينجو، والآن نعرف أين هو جغرافيّاً، نعرف أين هو تحديداً، وقد أصبح محاصراً في منطقة ضيّقة». كيف ستكون نهايته؟ إجابة حاسمة: «إمّا أن يفرّ باتجاه الأراضي التي يحتلّها داعش، لنصل إليه وإليهم لاحقاً، وإمّا أن يستسلم، وإمّا أن يُقتل».

يتحدّث المسؤول عن حالة وجدانيّة متفاقمة بين المقاومة والجيش اللبناني أخيراً: «يخافون علينا ونخاف عليهم. إنّهم أهلنا ولحمنا ودمنا، انظر هناك، في هذا الاتجاه كان المسلّحون يعتدون على الجيش، الآن بعد تحرير تلك التلّة أصبح الجيش في مأمن. إنّنا نتكامل». لحظة هذه الكلمات كانت الأرض تهتز بفعل مدافع الميدان الثقيلة. هذه المدافع المباشرة التي تُصبح كقنّاصة كبيرة. أصوات غارات الطائرات الحربيّة السوريّة، مِن مناطق الحدود، تزيد اللحظة رهبة. تزداد هذه أكثر، إنّما بعنوان آخر، لحظة رؤية مقاتلي حزب الله وهم يؤدّون الصلاة. أحدهم حافي القدمين، فوق البحص، يركع ويسجد ويقنت. قطرات ماء الوضوء كانت تتساقط مِن كفّيه. مهلاً، الطرف الآخر، في هذه المعركة، يُصلّي أيضاً. صحيح.

إنّها معركة بين مُصلّين، في الشكل، في الظاهر، وتاريخنا مليء بهذه الجدليّة منذ «خوارج» النهروان ومَن تلاهم. هذه حكاية أخرى، وجع آخر، يطول سرده. هؤلاء المقاتلون المصلّون الأشدّاء، العقائديّون، على شكل «داعش» أو «نصرة» أو غيرهما، ماذا لو كانوا في خندق واحد مع حزب الله؟ هذا الحلم الأزلي الذي داعب آمال الكثير مِن الإسلاميين على مدى العقود الماضية. لو كان صُبّ كل ذاك «الانتحار» في وجه "إسرائيل"، مثلاً، فهل كانت ستظلّ "إسرائيل" هادئة المُدن؟ مفارقة المعسكرين، بين هذه الجبهة وتلك، تحضر في رأسك وأنت تُراقب المشهد، هناك، حيث رعود القذائف والصواريخ تملأ أذنيك.

على الطريق إلى جرود عرسال، الطريق الرهيبة في صعوبة السير فوقها، ولو بسيارة رباعيّة الدفع، تلمح بعض بساتين الأشجار. بعضها منتصبة، تُعاند، وأخرى ذابلة. يعلوها الغبار. أصبح الكرز الأسود أبيض بفعل تراكم الغبار. المُشمش الناضح أبيض أيضاً. ثمّة مساحات في تلك الجرود يُمكن وصفها بأرض المُشمش والكرز. مِن هناك تأتي أفخر أنواع تلك الفاكهة. بائعو الخُضَر يعرفون ذلك. إنّها بساتين لأهل عرسال الذين، بعد دخول المسلّحين إلى المنطقة واحتلالها، ما عادوا يرعونها. ما عادوا يقطفون ثمارها. على مدى سنوات كانت تلك مناطق موت. أحد مسؤولي حزب الله، في جولة أمس، يطلب مِن الصحافيين عدم مسّ تلك الأشجار. هذا قرار لا مزاح فيه، حتّى وإن كان المُشمش تكوّم أرضاً تحت أغصانه، أيّاً يكن. هؤلاء المقاتلون، في هذه المنطقة المقطوعة، حيث تجهد السباع للعيش، لا يأكلون مِن تلك الثمار. هذا «محرّم» عليهم. هذه أخلاقهم. لا بدّ مِن موافقة أصحابها. إنّهم حرصاء على ألّا يدخلوا النار بشقّ مشمشة. رؤية هؤلاء عن قرب تُغنيك عن عبء تحليل الكثير مِن الدعاية ضدّهم. لا أحد معصوم هنا، قطعاً، إنّهم بشر عاديّون جدّاً، إنّما لهم في الأخلاق فلسفة. إنّهم لا يَذبحون. هذه دعاية مُستهلكة؟ لا، ليس كذلك، إنّها ليست تفصيلاً. هذه وحدها، لو كانت وحدها، كافية لأن تُصبح نشيداً يُردّد صبح مساء. هذا ليس مجرّد فعل، إنّها إشارة قويّة، مكثّفة، تُشير إلى الكثير خلفها. تختلف معهم، تعارضهم، إنّما لن تجدهم يسلخون جلدك لذلك. هل سُجّل على أحدهم ذلك؟ في شرق الدم، مستنقعات الدم، هؤلاء نعمة. لا يسيل لعابهم فوق عنقك. قل فيهم ما شئت، ولكن يُمكن الجزم، براحة ضمير، بأنّهم أفضل الموجود. خيرة هذا الشرق. البقيّة الباقية. ولهؤلاء قيادة، قد خبرناها مراراً، ستدعوهم غداً، ودائماً، إلى التواضع لأهلهم... ولكل مَن يستحق التواضع.

محمد نزال / الاخبار

109-4

0% ...

آخرالاخبار

حماس تحمّل الاحتلال مسؤولية كارثة انهيار الرمال فوق خيام النازحين في غزة وارتقاء شهداء


عراقجي معلقا على الانتخابات الامريكية: لنرى متى سيتمكنون من استيعاب النتائج


وفاة 5 بينهم 3 أطفال بانهيار جرف رملي على خيام نازحين في غزة + صور و فيديو


آيزنكوت يتولى مهمة تشكيل الحكومة ونتنياهو يخسر معركة العودة


متكي: الرد الإيراني الصاروخي سيطال قواعد العدوان خارج المنطقة


متكي للعالم : إيران تفشل الهيمنة الأمريكية وتبدد رهاناتها المتعاقبة


متكي للعالم : على الأمريكيين الخروج من المنطقة وإلا فإننا سنجد وسيلة لتحقيق ذلك


متكي للعالم : ليس لدينا أي مقترحات للأمريكيين، وسنرفع الحصار عن البلاد بأي وسيلة كانت


متكي للعالم : إيران مستعدة لتوجيه ضربات للعدو تجعله يندم إذا ما فكر في خوض حرب جديدة ضدها


متكي للعالم : الجميع يعرف ان اغلاق مضيق هرمز هو بسبب السياسات الاميركية الخاطئة


الأكثر مشاهدة

إيران تقاضي مسؤولي العدوان الأمريكي الإسرائيلي لإنصاف الضحايا


دوي انفجار جديد في جاسك جنوبي البلاد ولم تضح التفاصيل


العراق.. كتائب سيد الشهداء ترفض تصريحات وزير الخارجية فؤاد حسين وتصفها بأنها غير دقيقة


العراق.. كتائب سيد الشهداء: لم نعلن أو نتبن أو نوقع على أي موقف يتعلق بسلاحنا


التلفزيون الإيراني: لا ضربات استهدفت مدن هرمزغان والأصوات قد تكون ناجمة عن إجراءات قواتنا بمضيق هرمز


مصادر فلسطينية: إصابة طفل بنيران الاحتلال الإسرائيلي خلال اقتحام محيط حي كفر سابا بمدينة قلقيلية في الضفة الغربية المحتلة


بحرية حرس الثورة: ناقلتا نفط أوقفتا أنظمة الملاحة وتحديد المواقع وحاولتا عبور مسار غير مصرح به في مضيق هرمز


مصادر فلسطينية: آليات الاحتلال تطلق نيرانها شرق مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة


بحرية حرس الثورة الإسلامية: الناقلتان اصطدمتا بألغام بحرية أثناء محاولتهما العبور وهما تحترقان حالياً


مصادر فلسطينية: غارة من مسيرة إسرائيلية شرق مخيم البريج وسط قطاع غزة


الحرس الثوري: انفجار واشتعال النيران في ناقلتي نفط بمضيق هرمز