واشنطن وحدها غير قادرة على حل الاختلالات العالمية
الثلاثاء ٠١ سبتمبر ٢٠٠٩
٠٣:١٢ بتوقيت غرينتش
إذا كانت الولايات المتحدة لا تريد أن تدير عجوزات ضخمة ومستمرة في الحساب الجاري، لن يكون بمقدور بلدان أخرى أن تدير فوائض ضخمة ومستمرة.
تعطي إدارة أوباما إشارات متزايدة على أن الولايات المتحدة لن تظل مستهلك ومستورد الملاذ الأخير في العالم. وجاءت أوضح عبارات بهذا المعنى في الشهر الماضي على لسان لاري سمرز المستشار الاقتصادي للبيت الأبيض، في خطاب ألقاه في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي وفي مقابلة مع "فاينانشيال تايمز". قال إن الولايات المتحدة ينبغي أن تصبح اقتصاداً قائماً على الصادرات لا على الاستهلاك، ويجب عليها أن تعتمد على الهندسة الحقيقية لا على الشعوذة المالية. وتحدث وزير الخزانة الأميركية، تيم جايتنر، وغيره من كبار المسؤولين بلهجة مشابهة عن إعادة موازنة النمو الأميركي.
المنطق الداعي لهذا الموقف الأميركي الجديد ليس اقتصادياً فقط، بل استراتيجي أيضاً. فقد سبق لسمرز أن أبدى ملاحظات حول التوتر بين وضع القوة العظمى والمديونية الخارجية الصافية. إذ إن النفوذ الأميركي يمكن أن يتعرض للخطر إذا كانت الولايات المتحدة تعتمد على المستثمرين الأجانب لإنقاذ قطاعها المالي (كما حدث في بداية الأزمة الراهنة) أو لتمويل عجزها المالي (وهو ما تفعله الصين وغيرها من البلدان ذات الفائض المالي منذ وقت طويل). وما من شك في أن الولايات المتحدة تدرك أيضاً أنها ربما لا تستطيع تمويل عجوزاتها الخارجية الضخمة في المستقبل بسعر مقبول، ولذلك فإنها تجعل من الضرورة فضيلة.
هذه الرؤية طويلة المدى للنمو الأميركي تستدعي زيادة الصادرات، وربما تستدعي أن يكون عجز الحساب الجاري أقل مما هو حالياً (نحو 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي). ورغم أن سمرز لم يقل ذلك ولا يستطيع أن يقوله، فإن هذه الرؤية تتطلب وضع نهاية للزيادة المتبقية في قيمة الدولار. وتدل الدراسات التي أجراها وليام كلاين وجون وليامسون، الأستاذان في معهد بيترسون، أن جعل عجز الحساب الجاري الأميركي في مستوى قريب من هذه الأهداف ربما يستلزم إجراء تخفيض حقيقي آخر للدولار، وبخاصة مقابل الرنمينبي الصيني والعملات الآسيوية الأخرى.
وفي المدى القصير يتطلب تعافي الولايات المتحدة من الركود أن تكون برامج التحفيز المالي والنقدي فعالة. ويقتضي هذا بدوره أن يستوعب المستثمرون المحليون والأجانب بصورة سلسة، تنم عن الثقة، المبالغ الضخمة من السندات التي تصدرها الحكومة الأميركية. من هنا، فإن من الأمور الأساسية أن يتم تجنب الأفكار القائلة بقرب انخفاض الدولار، على الأقل بنسبة كبيرة، وأن السلطات الأميركية تدفعه إلى الانخفاض.
لكن الأهداف الهيكلية لسمرز ستحدث أثرها بعد أن ينجو الاقتصاد من الخطر. وستتطلب إعادة توجيه الموارد من التمويل والاستهلاك إلى الصادرات والاستثمار إدخال تغييرات نسبية على الأسعار التي ينبغي أن ينخفض إليها الدولار. وعليه، فإن سعراً أقوى للدولار حالياً، وسعراً أكثر قابلية للدوام بعد أن يترسخ التعافي، يمكن أن يوفق بين الضرورة الملحة في المدى القصير والهدف الخاص في المدى المتوسط.
ما آثار هذه الرؤية على شركاء أميركا التجاريين؟ إلى الحد الذي تتسم فيه بالصدقية، فإنها تعتبر طلقة تحذيرية لبقية العالم. فإذا كانت الولايات المتحدة لا تريد أن تدير عجوزات ضخمة ومستمرة في الحساب الجاري، لن يكون بمقدور بلدان كالصين وألمانيا واليابان أن تدير فوائض ضخمة ومستمرة في الحسابات الجارية. ولن يكون بمقدورها الاعتماد على النمو القائم على الصادرات. وسيترتب عليها أن تجد طرقاً لتوسعة الطلب المحلي بشكل دائم وكبير.
ويجري تحقيق تقديم فعلي على صعيد تقليل الاختلالات العالمية. فقد انخفض عجز الحساب الجاري الأميركي من أعلى مستوى وصل إليه، يزيد على 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، إلى نحو 3 في المائة. وتراجع فائض الحساب الجاري الصيني من 11 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 9.8 في المائة، ومن المتوقع أن يتراجع أكثر هذا العام.
لكن ليس هناك ما يضمن استمرار هذه العملية. ويتوقع كلاين أن يعود عجز الحساب الجاري الأميركي للارتفاع فوق مستوى 5 في المائة عام 2012 وأن يرتفع بعدها إلى مستويات غير مسبوقة، ما لم يتم خفض عجز الميزانية بصورة حادة ويطرأ انخفاض كبير على قيمة الدولار. وها هي الصين تمنع الرنمينبي من الارتفاع وما زال من غير المعروف ما إذا كانت تعتزم التخلي عن استراتيجية النمو التجارية.
وعندما تجتمع مجموعة العشرين في مدينة بتسبيرغ هذا، يجب أن يكون على رأس أجندتها سؤال كيف يمكن تحقيق نمو عالمي متوازن وعال. استراتيجية الولايات المتحدة بشأن هذا الموضوع ليست منسجمة، على الأقل في الوقت الراهن، مع استراتيجيات البلدان الأخرى. فقد ذكر سمرز بمنتهى الوضوح أن الصين لم تعد تستطيع التصرف مثل الصين، لأن الولايات المتحدة تعتزم أن تتصرف مثل الصين. ولا يمكن أن يكون لدى الاقتصاد العالمي استراتيجيتان للنمو الصيني، أو استراتيجية و