السعودية: دلالات محاولة اغتيال فاشلة
الإثنين ٣١ أغسطس ٢٠٠٩
٠٣:٥٧ بتوقيت غرينتش
تناقلت وسائل الاعلام السعودية خبر محاولة اغتيال فاشلة تعرض لها محمد بن نايف مساعد وزير الداخلية للشؤون الأمنية، حسب الرواية الرسمية يبدو ان أحد المطلوبين أمنيا كان قد نسق مع أجهزة الامير الامنية لتسليم نفسه، ولكنه أتى الى مجلس الامير مهيأ لعملية تفجير لم يذهب ضحيتها سواه.
من الصعب تصديق الرواية السعودية الرسمية، حيث تنعدم المصادر الاعلامية المستقلة والتي تمكن المراقب من تمحيص الخبر وتقصي تفاصيله.
ولكن اذا صدقنا الرواية الرسمية وسلمنا بتفاصيلها سنلاحظ انها تحمل دلالات جديدة أولاها ان اصحاب الفكر الضال قد غيروا استراتيجيتهم تجاه النظام السعودي.
فخلال اعوام المواجهة المفتوحة بين 2003 2005 لم تحصل اي محاولة اغتيال لرموز النظام من قبل ما تسميه السعودية الفئة الضالة. فقد كانت جميع العمليات التفجيرية تستهدف مباني الدولة أو المجمعات السكنية وان طال أحدها المراكز الامنية التابعة لوزارة الداخلية.
جرت هذه التفجيرات تحت شعارات متعددة كان أهمها اخراج المشركين من جزيرة العرب وكثرت حينها التساؤلات عن الاسباب التي تقف خلف عدم استهداف رموز النظام، وربما كان السبب الاول هو ان النظام السعودي يوفر الغطاء اللازم لمثل هذه العمليات ويؤجل التصادم المباشر بين الولايات المتحدة والقاعدة على أرض الجزيرة العربية في مرحلة ربما كانت القاعدة غير مستعدة بعد لمواجهة مفتوحة.
وربما كان اسهل على القاعدة ان تستهدف رموز النظام حينها بسبب عدم جاهزية الدولة وأجهزتها على حماية نفسها، ولكن بعد عدة سنوات من التدريب والتمكين نجد أننا بصدد محاولة اغتيال عجيبة وغريبة في تفاصيلها يتعرض لها أحد أكبر المسؤولين الذين تسلموا الملف الامني الهادف الى استئصال ما يسمى بالفئة الضالة.
وقد حاول الامير الذي استهدفته محاولة الاغتيال ان يجمع بين أسلوبين في تعامله مع المطلوبين والمتهمين بالارهاب الأول صورة الامير الحازم القوي، والثاني صورة الامير الحنون الحاضن للتائب والمتراجع عن جرائمه.
وان كان هو المسؤول الاول عن امتلاء السجون السعودية بأشخاص ينتظرون المحاكمة دون ان يحصلوا على ضمانات وتمثيل عادل الا انه يصر على الظهور بمظهر الامير المتسامح الذي يعيد تأهيل المجرمين ويجد لهم الوظائف ويكافئهم بسيارات واتاوات ويحضر اعراسهم في المواسم.
ورغم هذه الصور المتناقضة الا ان ملف حقوق الانسان في السعودية والتعذيب في السجون والوضع المزري فيها وتكميم الافواه والمنع من السفر وسحب الجوازات كلها من اختصاص الوزارة التي يتصدرها الامير، ومن هنا جاءت جميع تقارير منظمات حقوق الانسان العالمية والعربية لتدين ممارسات هذه الوزارة، بالاضافة الى ان جميع بيانات الاصلاحيين في السعودية أشارت ولو بطريقة مبطنة حينا واخرى مباشرة الى تجاوزات وزارة الداخلية وممارسات محمد بن نايف التي استغلت ملف الارهاب وذريعته لتنشر حالة خوف ورعب في المجتمع وتقييد الحريات في مرحلة كان الكثيرون يتوقعون العكس.
وربما تستغل محاولة الاغتيال هذه وما سبقها من اعلان عن اكتشاف خلايا ارهابية جديدة ومصادرة اسلحة وذخائر منذ اقل من شهر وايقاف 44 شخصا من ذوي الاختصاصات العالية، في التضييق اكثر على المواطنين والحد من الحريات. وعلى مستوى آخر يبدو ان الامراء القائمين على الملف الامني الداخلي هم ايضا يستغلون انجازاتهم الامنية لتمكين اجنحة معروفة وتحضيرها لخوض معركة القيادة والتي ستبدأ مستقبلا، خصوصا ان قضية ولاية العهد لم تحسم بعد رغم انها بدأت مع تفاقم مرض ولي العهد الحالي الامير سلطان بن عبدالعزيز وغيابه عن البلاد لفترة طويلة.
لقد ساعد الملف الامني وقضية الفئة الضالة وزارة الداخلية ومكنها من السيطرة على اجهزة اخرى ومن اهمها القضاء حتى اصبحت هذه الوزارة دولة داخل دولة، وما هي الا سنوات قليلة سنرى خلالها كيف يتم تتويجها وتتويج القائمين عليها في منصب القيادة الاولى خاصة وانها تغازل الجهات الامنية الدينية وتصور نفسها حامية للدين والفضيلة والاخلاق والمحافظة على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي بذلك تضمن ولاء الجهاز الذي يحتك بالمواطنين يوميا وعن قرب.
من خلال هذا الجهاز تستطيع الوزارة أن تجعل المواطن يشعر وكأنه مراقب بطريقة مباشرة من اجهزة الدولة التي لا تغيب عنها أهم تفاصيل حياته وتحركاته. تبلور الدور الذي تلعبه وزارة الداخلية كحامية لأمن النظام ولو كان ذلك على حساب أمن الانسان يجعلها اكثر الوزارات قدرة على اقتناص الفرص القادمة لخوض معركة مع أجنحة اخرى في العائلة الحاكمة، عندما تأتي الفرصة وتستغل محاولة الاغتيال الفاشلة وتوظف من قبل المعنيين بالامر لزيادة الاسهم في شركة بدأت تتصدع على خلفية كثرة المساهمين والمتنافسين داخلها.
ظهر هذا التصدع والمنافسة من خلال مراقبة الشأن السعودي وكيفية التعاطي مع معضلة ولاية العهد والتي لم تستطع هيئة البيعة الجديدة ان تحلها وبقيت مراسيمها مجمدة غير قابلة للتفعيل عند أول امتحان