من يصنع العنف في السعودية؟
الأحد ٣٠ أغسطس ٢٠٠٩
٠٦:٥٨ بتوقيت غرينتش
هل ثمة ما يستوجب إعادة فتح ملف التفجيرات والمواجهات المسلّحة في السعودية التي جرت منذ 1995 وحتى 2003 وما تخللها من حوادث أمنية واغتيالات وسلسلة الروايات حول اكتشاف مخططات لتفجير منشآت حيوية، يشارك فيها مئات بكميات هائلة من الاسلحة الخفيفة والمتوسطة ومواد شديدة الانفجار؟
ربما كان التحقيق الذي نشرته وكالة آي بي إس في يونيو الماضي حول تفجيرات الخبر في يوليو 1996 والذي كشف فيها عن الخداع السعودي لمسار التحقيق بتواطؤ واضح من قبل مسؤولين في هيئة التحقيق الفيدرالية (إف بي آي) أحد الخيوط الرئيسية، إلى جانب خيوط أخرى كشف عنها سيمور هيرش في تحقيقه حول جماعة تنظيم فتح الاسلام في لبنان ودور فريق ديك تشيني بالتنسيق مع الامير بندر بن سلطان، وما نشرته الصحافة البريطانية من أخبار عن تهديد الامير بندر بن سلطان لرئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير بأنه سيعيد تجربة 7/7 في لندن إذا لم يتوقف مكتب التحقيقات في الغش التجاري عن متابعة ملف الرشاوى في صفقة اليمامة التي أبرمت بين السعودية وبريطانيا في العام 1985.
معطيات كثيرة تستدعي فتح ملف حافل بالأسئلة حول الدور الأسطوري الذي لعبه تنظيم القاعدة بما يتجاوز حدود إمكانياته الاستراتيجية والتخطيطية وفوق ذلك الاستخبارية. فالظهور الفجائي لهذا التنظيم محمولاً على أكتاف أميركية لا بد ان يثير أسئلة كثيرة حول العاصفة الاعلامية التي اجتاحت الشرق الأوسط والعالم بأسره بعد يومين من تنفيذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر، والذي عرّف فيه الرئيس الأميركي هذا التنظيم بوصفه المسؤول المباشر عن تلك الهجمات، في وقت لم يسمع أغلب شعوب الشرق الأوسط دع عنك شعوب العالم عن إسم هذا التنظيم فضلاً عن قدراته الخارقة بما يفوق قدرات أعرق التنظيمات المافيوية في أوروبا واميركا. فقد أصبح إسم القاعدة في مقدمة نشرات الأخبار على مدار سنتين بعد الهجمات الأمر الذي أوحى لشعوب ووسائل اعلام عربية ودولية بأن ثمة ظاهرة دولية لم يعرفها التاريخ قد بدأت تهدد السلام العالمي، بما تمتلكه من قدرات بشرية واستخبارية وعسكرية تؤهلها لاختراق كل التحصينات في أي نقطة يشاء عناصر القاعدة الوصول اليها.
ولكن هل الأمر متطابق مع تصويرات الإدارة الأميركية السابقة وفريق ديك تشيني والامير بندر بن سلطان، بالنظر الى طبيعة تكوين القاعدة والتدريبات التي حصلت عليها وحجم الامكانيات التي بحوزتها؟
فمن المعروف ان عناصر القاعدة تدربوا على القتال في معسكرات في أفغانستان وباكستان بإشراف وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية وبتمويل سعودي، ولم تكن لدى أي من قيادات وكوادر القاعدة خبرة أمنية تؤهلهم لخوض أشد العمليات العسكرية تعقيداً بما تتطلبه من عمل أمني بالغ الدقة والحرفية. فهل يمكن لمجرد خوض معارك عسكرية أو حرب عصابات بأسلحة متوسطة أن تجعل من هذا التنظيم شبكة استخبارية وامنية وعسكرية ممتدة على خارطة الكون، أم أن التصوير الاعلامي المبالغ فيه تمت تغطيته بعمل استخباري وامني من جهة ما أميركية وسعودية كيما يحقق اغراضاً ليس بالامكان تحقيقها بالاتكّال على مجرد نشاطات عسكرية عشوائية او في احسن الاحوال مستمدة من علم حرب العصابات.
خارج البيئة التي نشأ فيها تنظيم القاعدة لابد أن يبعث شكوكاً كثيفة، خصوصاً وأن التنظيم يخوض معاركه الاستعراضية خارج أرض النشأة، بما يجعله مكشوفاً أمام قوى ومعادلات اخرى أقوى منه، فاختلال الميزان العسكري والأمني بين القاعدة والدول التي نفّذ فيها عملياته العسكرية والأمنية تطرح أسئلة جوهرية حول مصادر قوة القاعدة.
وهذا يعيدنا الى النشاطات الاولى المسلّحة للتنظيم خارج أفغانستان، فقد كانت الاعمال العسكرية المنسوبة الى القاعدة في السعودية (تفجير الرياض سنة 1995 وتفجير الخبر 1996) وحتى تفجيرات سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام لم تكن أعمالا عسكرية محض، بل تطلبا عملا أمنياً كثيفاً ومعقداً وكذلك تفجير بارجة كول في عدن فضلاً عن تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001، دع عنك تفجيرات لندن في 7 يوليو 2005 وسلسلة التفجيرات الاخرى في مدريد وغيرها، وكلها تشير الى تفوّق الجهة التي قامت بتلك الاعمال على خبرات الجيش الجمهوري الايرلندي ومنظمة الباسك الانفصالية في اسبانيا.
فهل ثمة جهة ما كانت تضطلع بالمهمة الاستخبارية والأمنية لتمهيد السبيل أمام عناصر القاعدة لتنفيذ العمل العسكري؟
يتفق الخبراء العسكريون والأمنيون في الولايات المتحدة وأوروبا وحتى في الشرق الأوسط على أن العمليات العسكرية المنسوبة للقاعدة لم تكن تحقق نجاحها دون جهود استخبارية وأمنية بالغة الدقة. فقد كان اختيار الاهداف مدهشاً الى حد أن من يدقق فيها يتوصل الى ان ثمة اختراقات أمنية واستخبارية غير مألوفة من تنظيمات صغيرة، ولابد أن أجهزة استخبارية كانت تقف وراء ذلك. تفجير الرياض في نوفمبر 1995 والذي استهدف فريق التدريب العسكري الأميركي للحرس الوطني لم يكن موقعاً عاديا، شأن الاشخاص الذين تم استهدافه