"سلام" نتنياهو تهرُّب تهكمي
الأحد ٣٠ أغسطس ٢٠٠٩
٠٢:٠٠ بتوقيت غرينتش
حتى يكون للفلسطينيين اقتصاد مزدهر، يحتاجون لأن تكون لهم أرض. عندما قال باراك أوباما لإسرائيل إن جزءاً من كون المرء صديقاً جيداً هو أن يكون صادقاً فهمت النخب السياسية في البلاد تلميحاً، أن عقوداً من الكلام المراوغ حول الصراع مع الفلسطينيين قد انتهت. ففي خطابه الذي ألقاه في الرابع من حزيران (يونيو) في جامعة القاهرة قال: مثلما لا يمكن إنكار حق إسرائيل في الوجود، لا يمكن إنكار حق فلسطين في الوجود .
كان يمكن للرئيس الأميركي أن يخاطب بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، الذي يرفض كبح إقامة المستوطنات على الأراضي الفلسطينية، أو الحث على حل الدولتين. لكن مهما حاول أوباما تغيير الحديث وجعله حول الشرق الأوسط، فإن نتنياهو يستمر في محاولة تغيير الموضوع.
اختار أوباما كساحة معركة له، المستوطنات اليهودية في الأراضي العربية المحتلة، وكلها غير مشروعة وفق القانون الدولي. فقد قال الرئيس: الولايات المتحدة لا توافق على شرعية المستوطنات الإسرائيلية المستمرة . ودعت واشنطن إلى تجميد كلي، بما فيه تجميد ما يسمى النمو الطبيعي الذي مكن المستوطنات من التوسع بشكل كبير. ونتنياهو يريد أن يتحدث في الاقتصاد وهذا تهرب تهكمي.
ومن المهم أن نتذكر أن نتنياهو يقول دائماً إن الفلسطينيين لا يمكن لهم أن يتوقعوا دولة، فقط نوع من حكومة أكثر من إدارة بلدية. وتكراره كلمة دولة في خطاب السياسة الذي ألقاه في 14 حزيران (يونيو) رداً على أوباما، لا يغير هذا بأي طريقة جوهرية. فإلى جانب الادعاء الديني اليهودي في إسرائيل التوراة، أرض إسرائيل، يعتقد نتنياهو أن الأمن الإسرائيلي يتطلب حاجزاً من الأرض المحتلة، بما فيها معظم الضفة الغربية، ليكون عازلاً لها عن جيرانها العرب. والمعادلة العربية الإسرائيلية بأسرها بالنسبة له، لعبة متعادلة، وهذا الرأي يستبعد الأرض مقابل السلام: وهو التوجه الذي نص عليه مجلس الأمن الدولي منذ حرب الأيام الستة عام 1967.
وخلال رئاسته للوزراء في الفترة 1996 - 1999، بدلاً من طرح الأرض مقابل السلام عرض السلام مقابل السلام، وهو الآن يتحدث بصورة مبهمة عن سلام اقتصادي .
والاقتصاد وإمكانية الحصول على وظيفة هما بالطبع عاملان مهمان للتغيير. ونجاح إسرائيل الملحوظ في بناء الدولة والتنمية الاقتصادية يمثلان على حق، اتهاماً دولياً ضد جيرانها العرب، الذين أضعفتهم وقمعتهم حكومات فردية تراقب كل تحركات مواطنيها. لكن سلعة نتنياهو، بأن بإمكان إسرائيل أن تساعد العرب في تبنى العولمة وتحويل المنطقة إلى عائلة واحدة سعيدة، تحفل بشيء من التاريخ الحديث الذي يحتاج إلى تفسير.
ومع أن الصحيح أن بعض العرب يستغلون مأزق اللاحرب واللاسلم ، فإنه صحيح أيضا أنهم (ومواطنيهم) يشعرون أنهم خدعوا بتجربة أوسلو.
في الفترة 1992 - 1996، في ذروة عملية السلام، جنت إسرائيل وحدها ثمار السلام، دون أن تضطر إلى إبرام السلام. وتضاعف الاعتراف الدبلوماسي بإسرائيل من 85 إلى 161 بلداً، الأمر الذي أدى إلى مضاعفة الصادرات وزيادة الاستثمارات الأجنبية ستة أمثال. وخلال الفترة ذاتها هبط دخل الفرد في المناطق المحتلة بنسبة 37 في المائة بينما زاد عدد المستوطنين بنسبة 50 في المائة. والتنمية الاقتصادية تتعامل بالحقائق، ونتنياهو يتعامل بالعبارات الجميلة.
وهو يقول إنه بوجود سلام اقتصادي يمكن إزالة الحواجز من أمام النمو، ويمكن تحريك الاقتصاد الفلسطيني من جديد. لكن يمكن لإسرائيل أن تزيل معظم تلك الحواجز، وينبغي لها ذلك. فوفقاً للأمم المتحدة، كان في الشهر الماضي 614 نقطة تفتيش داخل الضفة الغربية، وهي منطقة بمساحة لنكولنشاير أو ديلاوير، مقارنة بـ 613 في حزيران (يونيو). والإزالة الأخيرة لنقاط التفتيش في نابلس، مثلاً، أدت إلى انتعاش التجارة، لكن ما يظهره هذا هو كيف يؤدي تقطيع إسرائيل لأوصال الضفة الغربية إلى شل كل النشاطات.
إن إصرار نتنياهو الانفعالي على نمو المستوطنات الطبيعي كلام زائف أيضا. فبوجود مبالغ دعم كبيرة، فإن هذه المستوطنات تنمو بثلاثة أضعاف معدل السكان في إسرائيل الأصلية. والحدود البلدية للمستوطنات تتجاوز المناطق المبنية. واقتراناً بالجدار الأمني الغربي الذي يقام على أرض الضفة الغربية، والطرق المخصصة للمستوطنين فقط، والمناطق العسكرية، فإن الفلسطينيين محصورون في معازل (بنتوستانات) متضائلة وغير مترابطة.
وأي اقتصاد يحتاج من جملة أمور أخرى، إلى الأرض وحرية الحركة. والاقتصاد الفلسطيني المنهك ليس مختلفاً. ونتنياهو يعرف هذا ـ وإدارة أوباما أوضحت له أنها تعرف ما يعرفه.
وفي إدارته الحالية، حول نتنياهو المسيرة نحو السلام إلى عملية صرفة: تكويم النزاعات التي لم تحل لتوضع في مفاوضات الوضع النهائي التي لا ينوي أبداً أن يبدأ بها. وتحت الضغط الأميركي، غير الأساليب لكن الهدف هو نفسه تماماً.
* فاينانشال تايمز