فهم حدود النفوذ الولايات المتحدة الاميركية
الثلاثاء ٢٩ مارس ٢٠١١
٠٣:٠١ بتوقيت غرينتش
لقد تعاملت القوى المسلحة الأميركية بشكل مشرف وفاعل مع الأعباء المتعددة التي فرضناها عليها خلال الـ15 سنة الماضية، لكن سنواجه نتائج عكسية في حال اعتماد استراتيجية تحافظ على العدد الإجمالي الراهن من القوات البرية الأميركية، على افتراض أن الجيش الأميركي يجب أن يستعد لعمليات انتشار خارجية أخرى على المدى الطويل بما يشبه العمليات الحاصلة في العراق وأفغانستان.
طوال سنوات، كانت الولايات المتحدة تُعتبر أقوى دولة في العالم، فلا شك أنها لاتزال حتى الآن زعيمة العالم بلا منازع على مستوى القوة العسكرية، ولاتزال تتمتع بنفوذ اقتصادي وثقافي هائل... صحيح أن قدرة واشنطن على الجمع بين سياستي التعاون والحزم للتأثير في أحداث العالم- أي ما سماه جوزيف ناي بـ القوة الذكية - تراجعت بنسبة معينة، ولكن يبقى مستواها أعلى مما هو عليه في أي بلد آخر.
لكن يترافق هذا التفوق الأميركي مع تكاليف باهظة، فقد كان يمكن أن يؤدي اتباع مسار بديل إلى التمتع بمستوى أمني مماثل مقابل تكاليف ومخاطر أقل بكثير، حتى الأشخاص الذين يحتفلون صراحةً بـ لحظات السلطة المطلقة منذ عشرين عاماً يعترفون بارتفاع كلفة مقاربتهم واستحالة استمرارها إلى الأبد، وقد عمد البعض في نهاية المطاف إلى اعتبار هذا التفوق مجرد لحظات عابرة.
بدل العمل على ضمان استمرار تلك اللحظات، يجب أن يتبنى صانعو القرار الأميركيون سياسات من شأنها مساعدتنا على فصل أنفسنا عن الصراعات الإقليمية، مع الاحتفاظ بالقدرة على ردع أي تهديدات فعلية ضد الولايات المتحدة والتعامل معها بشكل حاسم حين تفشل سبل الوقاية منها، لكن يبدو أن داعمي القوة الذكية يفترضون أن هدف هذه المقاربة هو السماح للولايات المتحدة بالاحتفاظ بدورها كالقوة العظمى الأولى في العالم لفترة غير محددة في المستقبل.
لكن أين الذكاء في دفع الأموال لإضعاف أمن العالم أجمع، تزامناً مع اندثار مصدر قوتنا الحقيقي، أي اقتصادنا الدينامي والحيوي؟ بحسب قول رئيس هيئة الأركان المشتركة، مايكل مولين، تُعتبر أعباء الدين الهائلة أكبر تهديد على أمننا القومي. من هنا تبرز أهمية سد الفجوة القائمة بين ما تنفقه الحكومة وما تجمعه من المواطنين على شكل ضرائب، إذ يجب أن يتم التداول بحجم إنفاق البنتاغون الذي تضاعف في العقود الماضية، بحثاً عن سبل فاعلة للادخار. يمكن أن نخفض حجم العمليات العسكرية والتكاليف المترتبة عليها بشكلٍ مسؤول من دون إضعاف الأمن الأميركي، عبر الالتزام بإعادة النظر في أهداف تلك العمليات، لكن من الخطأ تحجيم وزارة الدفاع من دون تبني استراتيجية محدودة أكثر من سابقتها، وإلا سنزيد أعباء الجيش من دون تحسين الوضع الأمني.
لقد تعاملت القوى المسلحة الأميركية بشكل مشرف وفاعل مع الأعباء المتعددة التي فرضناها عليها خلال الـ15 سنة الماضية، لكن سنواجه نتائج عكسية في حال اعتماد استراتيجية تحافظ على العدد الإجمالي الراهن من القوات البرية الأميركية، على افتراض أن الجيش الأميركي يجب أن يستعد لعمليات انتشار خارجية أخرى على المدى الطويل بما يشبه العمليات الحاصلة في العراق وأفغانستان، فيجب أن نخفف الأعباء عن جنودنا بدل تكليفهم بمهمات مشبوهة تتطلب عدداً إضافياً من العناصر، فليست الموارد التي نملكها هي التي تجعل قوتنا ذكية بل طريقة استعمالها.
من المنطقي أن نتحول إلى استراتيجية ردع كبرى، حتى في هذه الحقبة التي تشهد فوائض في الموازنة، ومن المناسب تنفيذ هذه الخطوة تحديداً لأن العلميات الواسعة النطاق في العراق وأفغانستان توشك على الانتهاء خلال السنوات المقبلة. سيساهم اعتماد استراتيجية أمنية وطنية لا ترتكز على سياسة التدخل العسكري التقليدي في مساعدة الولايات المتحدة على تجنب مهمات بناء الدول- كما هي الحال في العراق وأفغانستان- علماً أن أغلبية الأميركيين باتوا يعارضون سياسة مماثلة الآن. كذلك، سيؤدي اتخاذ موقف أكثر حذراً من التدخلات المستقبلية إلى تكليف الدول الحليفة الثرية والمستقرة بمسؤوليات أكبر بعد أن زاد اعتمادها على القوات العسكرية الأميركية لضمان أمنها.
لكن بدل فعل ذلك، يتمسك معظم الخبراء في السياسة الخارجية في واشنطن بوهم الاحتفاظ بالسلطة المطلقة في العالم، فهم يعتبرون أن نفوذنا يخولنا تحديد شكل النظام العالمي بكلفة متدنية نسبياً. انطلاقاً من إيماننا بقدرتنا على حل المشاكل بفاعلية، ها نحن نوسع تعريف المصلحة الوطنية ونعتبر المخاطر الأمنية في الدول الأخرى مشكلتنا الخاصة. لا يحبذ الأميركيون عموماً مواجهة تهديدات خاصة بدول أضعف من بلدهم. نحن نعمل على حل المشاكل، وندرك أننا نملك القوة لفعل ذلك. لقد تصدعت هذه الثقة الآن ولكنها لم تنكسر بسبب التحديات التي واجهناها في العراق وأفغانستان.
ومع ذلك، يشير إصرار واشنطن على توسيع المهمة في أفغانستان، في الوقت الذي يفكر فيه المسؤولون الأميركيون بالاحتفاظ بقوة دائمة في العراق تفوق الـ25 ألف موظف عسكري ومدني، إلى درجة عالية من الغطرسة قد تصدم أي مراقب للأوضاع. يكفي أصلاً أن الحروب مرتفعة الكلفة، لكن أكثر ما يثير القلق هو أن الحروب هي في صميمها محاولات لاستعمال القوة العسكرية الأميركية من أجل تحويل مجتمعات كاملة. وفي حين يعترف معظم المدافعين عن هذه المهمات بأن أياً من تلك البلدان لن تشبه النظام الديمقراطي المثالي في أي وقت قريب، يرتكز الجدل المتعلق بما إذا كانت الحروب تستحق الكلفة التي دُفعت حتى الآن على سوء تحليل الدروس المستخلصة من هذه الصراعات الطويلة.
تؤكد التجربة الأميركية المريرة في العراق وأفغانستان على الحاجة إلى استراتيجية أمنية جديدة، أقله عبر اتباع خطط وأدوات تكتيكية أفضل لتعزيز الاستراتيجية الراهنة. لن تطرح المهمات الأخرى الهادفة إلى بناء الدول التحديات عينها، ولكن تبقى كلفة هذه المهمات جميعها مرتفعة، وهي ستفشل في معظمها على الأرجح... إذ تُغفل الحجج القائلة إننا نستطيع إعادة بناء الدول الخارجية عن حدود قوتنا العسكرية التي كشفتها حربا العراق وأفغانستان، وإذا ما صدقنا تلك الحجج، فسنجازف بتكرار الأخطاء نفسها، وانطلاقاً من مغامراتنا الأخيرة لبناء الدول، يجب أن نتعلم كيفية استيعاب حدود قوتنا العسكرية. لكن الأخبار السارة في هذا المجال هي أننا لا نحتاج إلى معظم هذه التدخلات العسكرية، فوفق جميع المعايير الموضوعية، تُعتبر الولايات المتحدة بلداً آمناً للغاية، على الرغم من المغامرات العسكرية القائمة وراء البحار، لا بفضلها. لقد منعتنا سياستنا الخارجية خلال العشرين سنة الماضية من نشر الأفكار التي تجعل من هذا البلد مدهشاً. بالتالي، لا بد من تغيير المسار المتبع واعتماد سياسة خارجية حكيمة تجمع بين الحذر والصبر. مع نهاية الحرب الباردة، أصدر أحد مصممي استراتيجية الاحتواء الأميركية في ذلك الصراع تحذيراً مماثلاً، فكتب الدبلوماسي والمؤرخ جورج ف. كينان: يجب أن تتصرف الولايات المتحدة بما يتماشى مع دولة بحجمها وأهميتها، وأضاف كينان أن السياسة الخارجية الأميركية يجب أن ترتكز على الصبر والسخاء وروح التعاون في التعامل مع البلدان الصغيرة والقضايا الصغيرة ، فضلاً عن المنطق، والتماسك، والاحترام الدائم للمبادئ في التعامل مع الدول الكبرى والقضايا الكبرى .
واستنتج كينان أن أهم خدمة يمكن أن يسديها هذا البلد للعالم هي تنظيم وضعها المحلي وجعل الحضارة الأميركية قدوة لمبادئ الاحترام والإنسانية والنجاح الاجتماعي .
يقضي التحدي الأكبر الذي نواجهه اليوم بإقامة توازن بين نفوذنا وأهدافنا، إذ يجب أن ندرك أن نفوذنا له حدود معينة، وبالتالي يجب رسم معالمه بناءً على تلك الحدود، فلا يجب أن نسعى إلى تعزيز نفوذنا بما يفوق حاجتنا، بل يجب صيانة الصلاحيات التي نملكها بأكبر قدر ممكن من الحذر.
عبر توماس جيفرسون عن مشاعر مماثلة في عام 1815 حين توقع أن الأميركيين قد يهدمون الدنيا على رؤوس الجميع، ما قد يدفع أشجع الأطراف إلى الارتجاف خوفاً. لكن آمل أن تتزايد حكمتنا في مقاربة الأمور تزامناً مع تنامي نفوذنا، وأن نتعلم أننا كلما امتنعنا عن استعمال قوتنا، ازدادت عظمتها .
ينعكس تفكير جيفرسون اليوم في الجهود المبذولة لتحديد حجم نفوذنا على نطاق أوسع، على ألا يشمل ذلك النفوذ قدرتنا على التهويل والتدمير عبر قوة السلاح فحسب، بل قوة ثقافتنا الحيوية والتزامنا الاقتصادي الموسع مع العالم أيضاً، لكل من كان يظن أن القوة العسكرية هي التي تحافظ على أمننا وأن زيادة نفوذنا سيعزز أمننا، تقدم مقاربة القوة الذكية التي طرحها ناي جواباً مهماً عن تساؤلاتهم: لا ضرورة لأن يحصل ذلك! يعتبر هذا النمط من التفكير أن قوة الولايات المتحدة الحقيقية، أو مصدر نفوذها الفعلي، تكمن في شعبها. تنعكس روحنا وكرمنا ومهاراتنا الابتكارية في طرق لا تُعد ولا تُحصى، وهي لا تتعلق في معظمها بالإمكانات العسكرية. ومع ذلك، بعض المؤشرات المقلقة تلوح في الأفق، فلا مفر من تنامي قلق المدافعين عن القوة الذكية بسبب الفجوة المتزايدة بين صانعي السياسات في واشنطن من جهة ودافعي الضرائب والجنود الذين يدفعون ثمن تنفيذها من جهة أخرى. ستؤدي الأضرار الناجمة عن التداعيات الحاصلة ضد سياسة التدخل الأميركية، في حال وقوعها، إلى نسف قدرتنا على متابعة تلك المقاربة الشهيرة.
سيكون من المأساوي والخطير أيضاً أن يرفض الأميركيون مقاربة التعايش السلمي والتواصل والتبادلات التجارية مع القطاع الخاص، بعد أن شكلت هذه الخطوات نقطة قوة في السياسة الخارجية الأميركية منذ تأسيس البلاد. في هذه الحالة، ستتوسع الفجوة بين الولايات المتحدة وبقية دول العالم، مع ما يترتب على ذلك من تشعبات سلبية على مستوى الأمن الأميركي خلال السنوات المقبلة.
*كريستوفر بريبل – وورد بلوتيك ريفيو