ليبيا وأوباما والأنظمة الديمقراطية الناشئة
الثلاثاء ٢٩ مارس ٢٠١١
٠٢:٥٨ بتوقيت غرينتش
يجب أن تضغط إدارة أوباما على الأنظمة الديمقراطية لحثها على الامتناع عن الإدلاء بالتصريحات العلنية التي تدين المهمة العسكرية في ليبيا، فبما أنّ المستعمرات الغربية السابقة قامت بعزل القذافي، فإنها ستضعف الادعاءات المعادية للنزعة الاستعمارية والقائلة إن القذافي وغيره من الطغاة يكونون مستهدفين دوماً في فترات المواجهة مع الغرب.
على الرغم من أهمية الدعم الذي منحته الأمم المتحدة والجامعة العربية لقرار التدخل في ليبيا، فإن إدارة أوباما يجب أن تتعامل مع واقع أن دولتين مهمتين لم تدعما تلك الخطوة: إنهما الهند والبرازيل... كان تعزيز الروابط بين الولايات المتحدة والأنظمة الديمقراطية الناشئة خارج نطاق الغرب من أولويات السياسة الخارجية التي وضعها الرئيس، وتشير الزيارة الرسمية المهمة التي قام بها الرئيس أوباما إلى الهند، فضلاً عن رحلته الأخيرة إلى البرازيل، إلى تركيزه على تبني مقاربة ثنائية مع الأنظمة الديمقراطية الناشئة.
الهدف من هذه المقاربة يستحق العناء عموماً، إذ تصبح الأنظمة الاقتصادية المتنامية والأنظمة الديمقراطية المستقرة في بلدان آسيا وأميركا اللاتينية حليفة تلقائية للولايات المتحدة. إذا كانت الولايات المتحدة تريد من الأمم المتحدة مثلاً أن تبذل المزيد لخدمة المصالح الأميركية، فهي ستحتاج إلى كسب تأييد تلك القوى الناشئة، فالهند والبرازيل هما رمزان مهمّان وقائدان بارزان في مجموعة هذه القوى.
لكن يكشف التصويت في مجلس الأمن على قرار استعمال القوة ضد ليبيا عن محدودية نفوذ أوباما حتى هذه اللحظة، فلم توافق الهند ولا البرازيل على التحرك ضد معمر القذافي، مع أن معاقل حركة عدم الانحياز، مثل جنوب إفريقيا ونيجيريا، دعمت قرار التدخل منذ البداية.
يعود تعنّت موقف تلك الدول إلى طبيعة الاستراتيجية الدبلوماسية التي تعتمدها إدارة أوباما، أو بالأحرى غياب أي استراتيجية واضحة، فلطالما شدد الرئيس الأميركي، وفق أجندة التبادل مع الأنظمة الديمقراطية الناشئة، على الحاجة إلى توثيق التكامل الاقتصادي بما يتعارض مع التركيز على النزعة الجيوسياسية السائدة. حتى في الهند، حيث عبّر الرئيس عن دعمه لعرض نيودلهي تولّي مقعد دائم في مجلس الأمن، لم تفرض واشنطن شروطاً مسبقة كثيرة لضمان تنفيذ هذه الاقتراحات، ولم تكن المسائل الجيوسياسية بارزة أيضاً خلال زيارة أوباما إلى البرازيل.
على الإدارة الأميركية أن تتابع تعزيز العلاقات الاقتصادية مع هذه الدول، ولكن يجب أن تكمّل تلك الجهود عبر زيادة الضغط عليها كي تدعم الولايات المتحدة سياسياً، إذ يكمن التحدي الأكبر في إقناع الأنظمة الديمقراطية الناشئة بتعديل موقفها بشأن حماية سيادة الدول على حساب موجبات دولية أخرى، فعلى الرغم من وجود المؤسسات الديمقراطية في الهند والبرازيل وغيرهما من الدول الناشئة، لطالما اتخذت هذه البلدان مواقف خارجية من شأنها تعزيز طغيان أسوأ الأنظمة في العالم.
تُعتبر ليبيا خير مثال على ذلك، حيث أدت الإدانة الدولية التي أثارتها ارتكابات القذافي المشينة إلى تراجع الثمن السياسي التي ستضطرّ الأنظمة الديمقراطية الناشئة إلى دفعه مقابل دعم الموقف الأميركي، ولن تنضمّ الهند والبرازيل وغيرهما من الدول إلى العمليات العسكرية، لكن يمكنها أن تساعد بطرق أخرى.
يجب أن تضغط إدارة أوباما على الأنظمة الديمقراطية لحثها على الامتناع عن الإدلاء بالتصريحات العلنية التي تدين المهمة العسكرية في ليبيا، فبما أنّ المستعمرات الغربية السابقة قامت بعزل القذافي، فإنها ستضعف الادعاءات المعادية للنزعة الاستعمارية والقائلة إن القذافي وغيره من الطغاة يكونون مستهدفين دوماً في فترات المواجهة مع الغرب.
عملياً، يجب أن تشجع الولايات المتحدة تلك الدول على المساعدة في تسهيل المرحلة الانتقالية نحو الديمقراطية في ليبيا، ويتعين على الأنظمة الديمقراطية في العالم أن تعزز روابطها مع حكومة الثوار في بنغازي، وأن تمنحها مساعدات أكبر، وأن تتعاون مع المعارضة لتحضيرها لاستلام الحكم. (سيكون من المفيد طبعاً أن تعترف الولايات المتحدة نفسها بحكومة المعارضة وأن توضح أن هدفها في ليبيا هو تغيير النظام).
تحتلّ واشنطن موقعاً نافذاً يخوّلها الضغط على الأنظمة الديمقراطية الناشئة لدعم الجهود المبذولة في ليبيا. يعود ذلك ببساطة إلى واقع أنّ هذه البلدان لا تستطيع تحقيق أهدافها الدولية على المدى الطويل من دون دعم الولايات المتحدة. لنأخذ مسألة العضوية في مجلس الأمن مثلاً. من أجل تحقيق هذه الغاية، يجب أن يوافق الرئيس، فضلاً عن ثلثي مجلس الشيوخ، على قرار انتسابها إلى مجلس الأمن. على الرئيس أوباما أن يوضح موقفه: لن تفرّط الولايات المتحدة بسيادتها الخاصة لمصلحة دول لا تدعم مصالحها الجوهرية، فللقذافي سجل حافل من الممارسات التي تعيق معظم هذه المصالح، وتحديداً في مجال مكافحة الإرهاب، وحظر الانتشار النووي، وحقوق الإنسان، وغيرها من المسائل.
نظراً إلى واقع ميزان القوى السائد، فإن من واجب الأنظمة الديمقراطية الناشئة أن تعيد توجيه أجندتها بما يصبّ في مصلحة الولايات المتحدة، وحتى لو صحّت النظرية القائلة إن نفوذ الولايات المتحدة يشهد تراجعاً نسبياً، فسيبقى هذا البلد يضطلع بدور رئيسي في المؤسسات الدولية التي أنشأها ويتابع تمويلها.
ستشكل المهمة في ليبيا مأزقاً طويل الأمد، ولم يفت الأوان بعد كي تلعب الأنظمة الديمقراطية الناشئة دوراً بنّاءً في هذا المجال، ومع ارتفاع احتمال سقوط القذافي، فمن مصلحة الولايات المتحدة أن تساعد الثوار. يجب أن توجه إدارة أوباما رسالة بسيطة إلى الأنظمة الديمقراطية الناشئة: من دون إظهار تضامن أكبر مع الولايات المتحدة، ستبقى طموحاتها بقيادة العالم بعيدة المنال في أفضل الأحوال.
*باتريك تشوغيل - عمل في وزارة الخارجية الأميركية في عهد جورج بوش الابن.