370 بليون دولار تجارة مياه الشرب سنويا في العالم
الإثنين ٢٤ أغسطس ٢٠٠٩
٠٨:٥٩ بتوقيت غرينتش
اختتم اسبوع المياه العالمي في استكهولم فعالياته مساء السبت الماضي مصحوبا بمناشدة من منظمات غير حكومية معنية بمشكلات البيئة والتنمية، المجتمع الدولي وصانعي القرار السياسي والاقتصادي، بالسعي عمليا الى حل مشكلة الحصول على المياه، ولكن ليس على حساب الفقراء، اذ يجب التعامل مع المشكلة من منطلق الحق في الحصول على المياه وعدالة توزيعها، كملكية عامة وليس حكرا على انتاج الشركات الخاصة لا يتمكن من شرائه سوى الاثرياء.
في المقابل، تستعد مؤسسات وشركات الى مزيد من الاستفادة من تلك الازمة، التي جعلت من الماء «ذهبا ازرق» تتنافس عليه كبريات الدوائر الاقتصادية على اختلاف تخصصاتها، غير عابئة على ما يبدو، بالعطش الذي يهدد ثلث البشرية بسبب ندرة المياه، وتوقع تقرير لمؤسسة «ميركي باومان» العالمية للاستشارات الاستثمارية ان يبلغ حجم سوق تجارة مياه الشرب في العالم نحو 370 بليون دولار سنويا، تهيمن عليه مؤسسات بريطانية وفرنسية وسويسرية.
وتنشط تلك المؤسسات في دول لا يجد الميسورون فيها مشكلة في شراء مياه الشرب معباة، لكن المشكلة تبدو واضحة بل مهددة لدى النظر الى واقعها في الدول النامية.
ويفيد تقرير حديث صادر عن الفرع السويسري لمنظمة «اتاك» غير الحكومية ان شركة مثل نستله السويسرية العالمية المتخصصة في مواد الغذاء باعت خلال عام واحد عشرة بلايين ليتر من المياه النظيفة (وليس المعدنية) في دول نامية، وتوسع نشاطها في هذا المجال في دول مثل تركيا وباكستان ومصر ولبنان واوزباكستان والبرازيل وعشر دول اخرى، لتسويق المياه الصالحة للشرب، بعد ان حققت ارباحا سنوية بين 8 و 7 بلايين دولار من تجارة المياه تحت 75 علامة تجارية مختلفة، في دول تعاني غالبية سكانها من مشكلات الحصول على الحد الادنى من المياه في حياتها اليومية، ومستوى الدخل فيها غير مرتفع.
ويقول خبراء اتاك «ان تجارة الماء تسير وفق مخطط عالمي يستهدف قطاعات الخدمات التي من المفترض انها من التزامات الحكومات مثل العلاج الصحي والتعليم والطاقة والمواصلات العامة والاتصالات، في اطار برامج منظمة التجارة العالمية، لتحرير جميع القطاعات التجارية في العالم لفائدة الشركات العملاقة التي تنظر قط الى هامش الربح مهما كان الثمن، ومن ثم القضاء تدريجا على دور الدولة في الاشراف على بعض المجالات الاقتصادية الحيوية.
وتتفق التيارات السياسية اليسارية الاوروبية ايضا في هذا التيار، بحيث تؤكد ان مشروعات خصخصة المياه التي بدات في بريطانيا منذ 1989، على سبيل المثال «ادت الى نتائج كارثية، فتراجعت درجة جودة المياه، ولم تهتم الشركات في تطوير شبكات الامدادات لانها تنظر الى هامش الربح قبل اي عامل اخر، ما اضطر السلطات البريطانية الى التدخل لتقليص ارتفاع اسعار مياه الشرب العادية».
ويؤكد معارضو هذا التوجه ان خصخصة المياه وبيعها يتنافى مع الحق في المساواة للحصول على اساسيات الحياة، ويعتبر بمثابة الحرمان من التنفس او بيع الهواء.
اما الاقتصاديون فينظرون الى المشكلة من زاوية اخرى، لان مشروعات تعبئة المياه وبيعها تؤمن وظائف وفرص عمل في الدول النامية، كما تنشط بالتوازي معها انشطة مختلفة مثل تجارة العبوات البلاستيكية وشركات الشحن والنقل.
لكن منظمة «اعلان برن» السويسرية غير الحكومية ترى ان ازدهار تجارة البلاستيك المستخدم في صناعة عبوات المياه، احد السلبيات التي يجب عدم السكوت عنها، اذ يؤدي انتاج مليون ونصف المليون طن من الخام المستخدم في التصنيع السنوي لتلك القوارير الى صراع على تجارة مشتقات النفط، فضلا عن الاضرار البيئية الناجمة عن تلك الصناعة.
في المقابل تترقب شركات عديدة تداعيات ازمة المياه والحاجة الملحة لعلاجها لاسيما في الدول الغنية، للحصول على ارباح كبيرة خلال السـنوات المـقبلة، فـوفق التقرير السنوي لمؤسسة «ميركي باومان» يضم العالم الان 22 مدينة ضخمة (ميغابوليس) تضم ما لا يقل عن 250 مليون نسمة، وسيرتفع عدد المدن التي تاوي الواحدة ما لا يقل عن ثمانية ملايين نسمة الى 36 مع حلول 2015، ما يعني زيادة الحاجة الى مياه الشرب المعباة.
ويرى تقرير «باومان» ان الحالة الماساوية لمشروعات المياه في جنوب شرق اسيا تفتح الباب امام استثمارات تصل الى 60 بليون دولار، وهناك مشروعات على مستوى العالم لتجهيز مياه الشرب تتطلب استثمارات تصل الى 10 بلايين دولار سنويا، ويستشهد التقرير بارتفاع مؤشرات اداء حقائب الاستثمار المعنية بالاستثمار في مشاريع ذات علاقة مباشرة او غير مباشـرة مع الـمياه بنسـب تـتـراوح بين 20 و80 بالمئة، اي ان الاربـاح في هذا الـمـجال مضـمونة ان لـم تكن اكيدة.
وتنتقد منظمات غير حكومية الاستثمارات ان لم تكن مرتبطة باهداف تنموية وليس بعمليات ربح فقط، لضمان عدم تفاقم مشكلة المياه، سواء للشرب او للاستخدام الزراعي او الصناعي.
وبالنظر الى ما تمخض عنه اسبوع المياه العالمي في استوكهولم، يبقى التعامل مع مطالبة «الصندوق العالمي لحما