التطبيع العربي قائم.. وميتشل يدعو فقط إلى المزيد منه
الأحد ٠٩ أغسطس ٢٠٠٩
٠٤:٥٦ بتوقيت غرينتش
يكاد الجدل الإعلامي الدائر حول دعوة المبعوث الرئاسي الأميركي جورج ميتشل إلى التطبيع العربي مع كيان الاحتلال الإسرائيلي يتحول إلى حملة تضليل منظمة للتغطية على حقيقة أن هذا التطبيع قائم بالفعل على قدم وساق وأن ميتشل إنما يدعو فقط إلى المزيد منه عموديا وأفقيا على اتساع الوطن العربي والعالم الإسلامي.
وإلا وجب على اللغويين إعطاء اسم آخر غير التطبيع للعلاقات الدبلوماسية والاقتصادية الكاملة القائمة بين هذا الكيان وبين ثلاث دول عربية هي مصر والأردن وموريتانيا، إضافة إلى مكاتب الاتصال والممثليات التجارية الممتدة من تونس غربا إلى قطر شرقا، ورحلات الطيران المباشرة المصرية والأردنية إلى مطار اللد (بن غوريون)، وحجم المبادلات التجارية المتنامية التي وضعت العراق في المرتبة الأولى التي تستورد صادرات إسرائيلية بنسبة 46% من إجمالي هذه الصادرات إلى الدول العربية يليه الأردن، وإمدادات النفط المصري التي تحرك آليات الآلة العسكرية الإسرائيلية حتى أثناء حروبها العدوانية على الأشقاء العرب، وإمدادات الغاز المصري أيضا التي تغذي رفاهية الإسرائيلي بينما لا تصل إلى الشقيق العربي المحاصر في قطاع غزة إلا عبر قطارة إسرائيلية، إلخ.، ناهيك عن التطبيع الفلسطيني الذي يتميز عن نظيره العربي ببعده الشعبي والسياسي الواسعين، وفي هذه الأثناء يستمر التطبيع العربي - العربي قاصرا عن رفع حجم التجارة العربية البينية فوق ما نسبته عشرة في المئة كحد أقصى من إجمالي التجارة الخارجية العربية حسب بيانات مجلس الوحدة الاقتصادية العربية!
ومهمة ميتشل ودعوته هما الآن رأس حربة لحراك دبلوماسي أميركي مكثف يتخذ من الخطاب الذي وجهه الرئيس باراك أوباما إلى العالم الإسلامي والعربي من القاهرة في الرابع من شهر حزيران/ يونيو الماضي مرجعية له، وقد أتبع أوباما خطابه برسائل إلى قادة سبع دول عربية حثهم فيها على بناء جسور الثقة مع كيان الاحتلال الإسرائيلي، وجددت وزيرة خارجيته هيلاري كلنتون حثها الدول العربية على تهيئة شعوبها للتطبيع مع إسرائيل وهي ما زالت تحتل أراضي ثلاثة أعضاء في جامعة الدول العربية، بحجة أن التطبيع هو الطريق الوحيد لإنهاء هذا الاحتلال.
ثم قام ميتشل خلال الشهر الحالي بجولته الثالثة في المنطقة خلال ستة أشهر والتي اتضح خلالها أنه نقل محور التركيز في مهمته من الدعوة إلى وقف الاستيطان الاستعماري اليهودي في الضفة الغربية إلى دعوة العرب للتطبيع، ليعلن دون مواربة من فوق المنابر الجمهورية والملكية في العواصم التي زارها: \"إننا نجتمع مع قادة كثير من الدول العربية في المنطقة لتشجيعهم على اتخاذ خطوات حقيقية نحو التطبيع\"، قبل أن يضيف مستدركا: \"ونحن لا نطلب من أحد إنجاز تطبيع كامل في هذا الوقت\"، ولا يعزو المراقبون استدراكه إلى تردد في الموقف العربي الرسمي بقدر ما هو استدراك متوقع من دبلوماسي عريق مثله يأخذ في حسبانه تجنيب القادة العرب أي حرج مع جماهيرهم الرافضة للتطبيع كاملا كان أم تدريجيا، فوريا أم مؤجلا.
وفي هذه الأثناء كان عضوان في مجلس الشيوخ بالكونغرس الأميركي هما الديمقراطي \"إيفان لتيه\" والجمهوري \"جيمس ريش\" يجمعان توقيعات زملائهم لمطالبة أوباما بالضغط على العرب لتقديم مبادرات تقارب مع إسرائيل، مثل إنهاء مقاطعة الجامعة العربية والالتقاء العلني بمسؤولين إسرائيليين وإنشاء علاقات تجارية مفتوحة وفتح الأجواء العربية أمام رحلات الطيران المدني الإسرائيلي وإصدار تأشيرات دخول للإسرائيليين ودعوة إسرائيليين للمشاركة في المؤتمرات الأكاديمية والمهنية والأحداث الرياضية، إلخ.، بينما بادر عضوان ديموقراطيان في مجلس النواب هما \"براد شيرمان\" و\"إد رويس\" إلى جمع تواقيع زملائهم النواب على رسالة، تدعمها جماعة الضغط الصهيونية المعروفة \"إيباك\"، موجهة إلى خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز تحث حكومته على التطبيع تجاوبا مع خطاب أوباما بالقاهرة.
وقد رفعت الرياض مستوى رفضها لدعوة ميتشل من المتحدث بلسان وزارة خارجيتها أسامة نوقلي يوم الأربعاء الماضي إلى وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل الذي أعطى لهذا الرفض وزنا أكبر عندما أعلنه من واشنطن نفسها بينما كانت نظيرته الأميركية كلينتون إلى جانبه في مؤتمر صحفي مشترك السبت الماضي، وأعطاه وضوحا أكبر عندما بدد الانطباع الذي تركه المجلس الوزاري الأخير لجامعة الدول العربية بحدوث تراجع عن مبادرة السلام العربية، برفضه سياسة الخطوة خطوة وتأكيده على أن التطبيع لاحق ل\"لسلام الشامل\" لا سابق له.
لكن إذا كان رفض المملكة العربية السعودية، وقبله رفض الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى يوم الاثنين الماضي، للدعوة الأميركية مبعث راحة مؤقتة للرأي العام العربي المقاوم للتطبيع باعتباره مؤشرا إلى أن قطار التطبيع العربي الرسمي لم يفقد كوابحه جميعها بعد، فإن أي راحة متسرعة كهذه سرعان ما تتبدد عند التدقيق في الموقف العربي- الفلسطيني الرسمي،