ايران و روسيا حليفان في مواجهة الغرب

الأربعاء ١١ فبراير ٢٠١٥
٠٤:١٣ بتوقيت غرينتش
ايران و روسيا حليفان في مواجهة الغرب «أود توجيه السؤال التالي إلى (المبعوث الدولي في اليمن) السيد (جمال) بن عمر: ماذا يقول المواطنون عن الحوثي؟ ومَن هو، باعتقادك، عدو المجتمع الدولي في اليمن، الحوثي أم القاعدة؟».

لم يكن هذا الموقف الحاسم الذي اتخذه المندوب الروسي في مجلس الأمن الدولي، فيتالي تشوركين، لمصلحة الحوثيين مفاجئاً، هذه خطوة أولى نحو تبني الروس لمشروع «أنصار الله» لإدارة المرحلة الثورية الانتقالية في هذا البلد، الذي يتوق إلى الاستقرار والبناء والتحرر من النفوذ السعودي والتهديد الإرهابي والتدخل الأميركي.

موسكو، المنخرطة في صراع عالمي ضد الغرب وحلفائه الفاشيين، العرقيين والدينيين، تدرك أن نجاح الثورة الحوثية، يصب في مصلحتها، لكن هناك، أيضا، الدبلوماسية الإيرانية التي أنشأت جسرا متينا بين الروس وثوريي اليمن.

إيران ـ التي تلح على رفض بحث الملفات الإقليمية مع الغرب، على هامش المفاوضات حول ملفها النووي ـ تعمل على توسيع نطاق التفاهم الاستراتيجي مع روسيا، حول تلك الملفات، بحيث يغدو تفاهم الدولتين حول سوريا، نموذجا ينطبق على العراق واليمن والبحرين ومصر.. وعلى الموقف من السعودية والنفوذ الأميركي في المنطقة، وعلى التعاون في مكافحة الإرهاب.

هذا ملخّص ما قاله لي مصدر رفيع في الخارجية الإيرانية، كان يعتذر لي عن لقاء مقرر مع مستشار المرشد، علي أكبر ولايتي الذي كان لحظتها في طريقه إلى موسكو، في زيارة طارئة، حاملا رسالة من السيد علي الخامنئي إلى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين.

العلاقة الاستراتيجية مع روسيا هي الأكثر حضورا بين موضوعات النقاش في طهران اليوم، يقول الإيرانيون إن موسكو أضاعت عقدا ونصف عقد من فرص التحالف بين الدولتين، والآن يجب تكثيف العمل المشترك.

في العقد الأول من الثورة الاسلامية في إيران، كان الصراع الأيديولوجي طاغيا على العلاقات مع روسيا السوفياتية التي كان العراق بزعامة  صدام حسين، حليفا تقليديا لها.. ومع أن موسكو كانت ضد الحرب بين الدولتين الشقيقتين، فإنها كانت، بطبيعة الحال، ميّالة إلى العراقيين، ومجروحة من حملة "القمع" التي واجهها الحزب الشيوعي الإيراني (توده).

لكن الروس انتقلوا، في العقد التالي بين الـ90 والألفين، من الأيديولوجيا الشيوعية إلى أحضان الغرب؛ كانوا يتطلعون إلى الانخراط في العالم الغربي، فلم تعد إيران لتعنيهم، ايجابا أو سلبا.

وفي مطلع التسعينيات، اصطف الإيرانيون، عمليا، مع الغرب ضد روسيا الضعيفة في يوغسلافيا السابقة؛ كان حافز الإيرانيين، أيديولوجيا؛ توجهوا إلى نصرة البوسنة المسلمة في مواجهة الصرب الأرثوذكس الذين طالما دعموا صدام حسين.

حين تربع بوتين على عرش الكرملين، وبدأ بتنفيذ خطة انقاذ روسيا والحفاظ على وحدتها واستقلالها وتعزيز قدراتها الاقتصادية والدفاعية، كان لا يزال يأمل شراكة ندية مع الغرب؛ حتى وقت قريب كان الخطاب الدبلوماسي الروسي، يتحدث عن «شركائنا الغربيين»، وقد انعكست هذه السياسة المزدوجة على النظرة الروسية نحو إيران؛ من جهة، بدأت تنشأ علاقات ثنائية تعزز المصالح الروسية، ومن جهة أخرى، ظلت موسكو على الحياد السلبي في المواجهة الإيرانية ـ الغربية؛ فأيدت والتزمت العقوبات الأممية على طهران، المفروضة عليها بحجة المخاوف من عسكرة برنامجها النووي.

في فترة بوتين، وخصوصا منذ فرض العقوبات على الجمهورية الإسلامية، كانت طهران تقترح على موسكو، وتسعى لبناء علاقات استراتيجية معها، لكن الكرملين كان لا يزال يأخذ بالحسبان، رد فعل الغرب.

روسيا وإيران معا، واجهتا مطلع ما يسمى «الربيع العربي»، باضطراب؛ موسكو ارتكبت خطأها الكبير الذي ستندم عليه لاحقا بتمرير قرار ضرب ليبيا بحجة مساعدة «الثوار»، أما طهران، فقد ذهبت إلى وصف ما يجري في العالم العربي بأنه « صحوة إسلامية»، قبل أن يتبين أن هذه «الصحوة»، طائفية وتكفيرية وإرهابية.

الحليفان المقبلان اصطدما بالواقع المر من خلال هجمة «الربيع» الأسود على الحليف المشترك، سوريا؛ فبدآ يتقاربان وينسقان سياساتهما واجراءاتهما للحيلولة دون وقوع هذا البلد المركزي، جيوسياسيا، في أيدي الغرب والعصابات التكفيرية والميليشيات العميلة.

رئيس لجنة الأمن القومي في مجلس الشورى الإيراني، علاء الدين بروجردي، لاحظ، في حديث خاص معه، أن نقطة التحوّل النوعية في العلاقات الروسية الإيرانية، تمثلت في انفجار الأزمة في أوكرانيا، وما تبعها من هجمة أميركية وغربية شرسة على روسيا؛ اغتصاب حياد الجار الأوكراني، والتهديد العسكري، والعقوبات المؤذية، والخفض الاصطناعي لأسعار النفط، وحتى التلويح بإثارة العصابات الإرهابية في الشيشان وسواها من الجمهوريات الروسية المسلمة.

وجدت موسكو أنها تقف، موضوعيا، مع إيران في الخندق نفسه، وإزاء الأعداء أنفسهم؛ هكذا انفتح الأفق لتحريك عجلة العلاقات الاستراتيجية بين الدولتين اللتين تمثلان، مع الصين، عناوين نهضة الشرق.

مضمون السياسة الإيرانية نحو روسيا، ليس جديدا ولا طارئا؛ بل هو مؤسس في الفكر الاستراتيجي للإمام الخميني الذي كان يرى أن ميزان القوى العالمي يستقيم مع «روسيا مقتدرة وإيران مستقلة».

يعكس هذا الشعار، جملةً معقدةً من الاعتبارات التاريخية والجيوسياسية والاستراتيجية؛ كانت روسيا القيصرية مقتدرة لكنها كانت تفرض حمايتها على الشمال الإيراني، بينما كانت بريطانيا متنفذة في جنوب البلاد؛ القيصرية وقفت ضد النزعات التحررية للإيرانيين، وكانت القوة الرئيسية في قمع الثورة الدستورية الديموقراطية لعام 1906، المعروفة بـ «المشروطة».

كذلك، فإن روسيا السوفياتية، حالما أصبحت «مقتدرة» خلال وبعيد الحرب العالمية الثانية، فرضت وجودها العسكري وحضورها السياسي في إيران، ودعمت انشاء جمهورية «مهاباد» لأكراد إيران، وظلت تمثل عاملا رئيسيا في السياسة الإيرانية إلى ان فرض الأميركيون نفوذهم على إيران بعد إطاحة مصدّق، لكن الحضور الأميركي الذي اجتثته الثورة الإسلامية، كان، بالأساس، سطحيا؛ فلم يتجذر في الثقافة المحلية، وبين النخب التي لا يزال فيها، حتى اليوم، متعاطفون مع روسيا.. وآخرون مع بريطانيا! هؤلاء الذين سماهم مصدر إيراني «عملاء الإنكليز»، سوف يجري اقصاؤهم عن مواقعهم، بحسب تأكيده، في صيف عام 2015.

بالنسبة إلي، اعتقد أن هذا الوعيد مرتبط بإمكانية فشل توقيع اتفاقية تسوية الملف النووي مع الغرب.


لا يزال التاريخ حاضرا في شارع الجمهورية، المتفرع عن شارع فردوسي؛ هناك تتواجه السفارتان اللتان تعودان إلى القرن التاسع عشر، في وسط طهران، وتعبّران ـ بالاتساع المفرط للعقار، وضخامة المباني الكلاسيكية، وانشراح الحدائق الغناء، وعلو الأشجار والأسوار ـ عن الماضي الامبراطوري للتنافس الروسي ـ البريطاني في إيران، وعليها.

لكن الذاكرة التاريخية لا تلغي الواقع الجيوسياسي؛ روسيا ليست بريطانيا أو الولايات المتحدة اللتين يمكن طردهما من المنطقة، روسيا هي الجار الأكبر لإيران، ودكتاتورية الجغرافيا تفرض أشكالا متنوعة من العلاقات الثنائية، في كافة الحقول، الاقتصادية والدفاعية الخ.. وعلى المستوى الاستراتيجي، يمثل التحالف بين البلدين الكبيرين، قلعة حصينة لمصالحهما، ومصالح حلفائهما، غير أن تحالفا كذاك، ينبغي، بالطبع، ألا يمسّ باستقلال إيران.

روسيا الضعيفة هي مدخل لإيذاء الجمهورية الإسلامية، لكن الثورة الإيرانية، كانت، بالأساس، ثورة استقلال لا يمكن التفريط به لمصلحة أي تحالف؛ بل إن رئيس مؤسسة «كيهان» الصحافية، حسين شريعتمداري، يرفض استخدام مصطلح «التحالف»، ويلح على مصطلح «العلاقة الاستراتيجية».. وفي هذا التمييز الدقيق بين المصطلحين، يظهر التشدد الإيراني في التوجه الاستقلالي الصارم.

إلا أن هذا السجال لا يبدو أساسيا، بالنظر إلى أن موازين القوى الحالية بين روسيا وإيران، لا تسمح للأولى بالهيمنة على الثانية؛ بل إن ما يلاحظه زائر طهران من نشوة السياسيين بما يمثله «انضمام روسيا إلى النهج الإيراني في مقاربة الملفات الإقليمية والدولية»، من فوز لاستراتيجية الجمهورية الإسلامية.

تتلاحق التطورات على الخط الساخن الدينامي بين طهران وموسكو؛ كأن الدولتين تريدان استدراك ما فاتهما من تعاون العقود في أسابيع وأيام.. في 20 كانون الثاني الماضي، كان وزير الدفاع الروسي في زيارة مفصلية إلى طهران، تمخضت عن اتفاقية نوعية في المجال الدفاعي.

مصدر إيراني رفيع معني بالملف، أوضح لي أن الصناعة العسكرية الإيرانية المتطورة والنشيطة، تؤمن احتياجات القوات المسلحة من الدروع والدبابات والمدافع والصواريخ... الخ، لكن ما يحتاجه الإيرانيون من الصناعة العسكرية الروسية، يقع في ثلاثة أبواب: منظومات اس 300 و400، وشبكات رادرار متطورة تقنيا، وطائرات حربية استراتيجية.

هل وافق الروس على هذه الطلبات؟ يقول المصدر: «من الناحية السياسية، نعم؛ فنيا، نحن بصدد الترتيبات والاجراءات». وأسأل أيضا: هل يمكن التوصل إلى ربط الصناعة العسكرية في البلدين؟ هنا، يبدأ التحفظ الإيراني التقليدي المرتبط بحساسية الاستقلال.. إنما في تقديري أن المسار الواقعي للعلاقات الدفاعية بين روسيا وإيران، سوف يفرض صيغا من التعاون، ربما لم تتوصل إلى تخمينها النخب التي عادة ما تحتاج إلى وقت للتفكير خارج الصندوق.

على المستوى الاقتصادي؛ حققت روسيا وإيران، انجازا تاريخيا في اتفاقية ليس مهما حجمها المتواضع (بقيمة عشرين مليار دولار)، لكن المهم أنها تؤسس لطرد الدولار الأميركي من العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين، اللذين سيعتمدان في تبادلاتهما على عملتيهما الوطنيتين؛ هذه المعادلة، سوف تؤدي إلى انفجار في التبادلات الروسية ـ الإيرانية، وتحفّز المشاريع والاستثمارات المشتركة.. ما زلنا، بالطبع، في أول الطريق؛ لكن الطريق ممهد ومتسع إلى ما لا نهاية.

وضعت إيران سككها وشبكة أنابيبها في تصرف الصادرات النفطية ـ ولاحقا غير النفطية ـ الروسية إلى الموانئ الإيرانية على الخليج (الفارسي)؛ هي الموانئ نفسها التي ستستقبل زيارات الأسطول الروسي الذي سيتمكن، إذاً، من التزويد والإقامة، للمرة الأولى، على موانئ خليجية صديقة.

في الملف النووي، سوف يواصل الروس، بناء المفاعلات الإيرانية، بغض النظر عن توقيع اتفاقية التسوية مع الغرب ورفع العقوبات الدولية أم لا؛ موسكو التي وصلت، على لسان رئيسها، إلى وصف الولايات المتحدة بـ«الذئب»، تفتح أبواب معاهدة شنغهاي الدفاعية أمام إيران التي طالما رأت في ذلك العدو المشترك، «الشيطان الأكبر»؛ نحن أمام لحظة استراتيجية في التاريخ العالمي: تحالف روسيا المقتدرة وإيران المستقلة، نبوءة الخميني التي تتحقق.
 

ناهض حتر/ صحيفة الاخبار اللبنانية

المقال يعبر عن رأي الكاتب

0% ...

آخرالاخبار

وفاة 5 بينهم 3 أطفال بانهيار جرف رملي على خيام نازحين في غزة + صور و فيديو


آيزنكوت يتولى مهمة تشكيل الحكومة ونتنياهو يخسر معركة العودة


متكي: الرد الإيراني الصاروخي سيطال قواعد العدوان خارج المنطقة


متكي للعالم : إيران تفشل الهيمنة الأمريكية وتبدد رهاناتها المتعاقبة


متكي للعالم : على الأمريكيين الخروج من المنطقة وإلا فإننا سنجد وسيلة لتحقيق ذلك


متكي للعالم : ليس لدينا أي مقترحات للأمريكيين، وسنرفع الحصار عن البلاد بأي وسيلة كانت


متكي للعالم : إيران مستعدة لتوجيه ضربات للعدو تجعله يندم إذا ما فكر في خوض حرب جديدة ضدها


متكي للعالم : الجميع يعرف ان اغلاق مضيق هرمز هو بسبب السياسات الاميركية الخاطئة


متكي للعالم : ستكون هنك مفاجآت وستستخدم أسلحة لم يروها ولم نستخدمها من قبل


متكي للعالم : اذا شعرنا بأي تهديد فقد نقوم بضربات استباقية ايضا


الأكثر مشاهدة

إيران تقاضي مسؤولي العدوان الأمريكي الإسرائيلي لإنصاف الضحايا


دوي انفجار جديد في جاسك جنوبي البلاد ولم تضح التفاصيل


العراق.. كتائب سيد الشهداء ترفض تصريحات وزير الخارجية فؤاد حسين وتصفها بأنها غير دقيقة


العراق.. كتائب سيد الشهداء: لم نعلن أو نتبن أو نوقع على أي موقف يتعلق بسلاحنا


التلفزيون الإيراني: لا ضربات استهدفت مدن هرمزغان والأصوات قد تكون ناجمة عن إجراءات قواتنا بمضيق هرمز


مصادر فلسطينية: إصابة طفل بنيران الاحتلال الإسرائيلي خلال اقتحام محيط حي كفر سابا بمدينة قلقيلية في الضفة الغربية المحتلة


بحرية حرس الثورة: ناقلتا نفط أوقفتا أنظمة الملاحة وتحديد المواقع وحاولتا عبور مسار غير مصرح به في مضيق هرمز


مصادر فلسطينية: آليات الاحتلال تطلق نيرانها شرق مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة


بحرية حرس الثورة الإسلامية: الناقلتان اصطدمتا بألغام بحرية أثناء محاولتهما العبور وهما تحترقان حالياً


مصادر فلسطينية: غارة من مسيرة إسرائيلية شرق مخيم البريج وسط قطاع غزة


الحرس الثوري: انفجار واشتعال النيران في ناقلتي نفط بمضيق هرمز