في كل عصر من العصور، وفي كل مجتمع من المجتمعات نجد أن هناك إنسان يتمتع بمواصفات ومۆهلات مميزة، تساهم في إنهاض المجتمع وانتشاله من الهوة إلى القمة.
ولو تتبعنا رسالات الأنبياء (ع) بدءاً من النبي آدم إلى خاتم الأنبياء النبي محمد (صلى الله عليه وآله) لوجدناهم ممن يتميزون بهذه الميزة، وكم جاهدوا وضحوا ولاقوا المصاعب والمتاعب من قبل مجتمعاتهم، ولكنهم كانوا مصرين على هدفهم وهو تحقيق قيم التوحيد في ذلك المجتمع.
من هنا يمكن القول أن هناك "إنسان" استثنائي في كل مجتمع، "إنسان" مميز، "إنسان" يسعى جاهداً ومجاهداً للتغيير نحو الأفضل، ولأخذ المجتمع إلى قمة الرقي.. وبعبارة أخرى إن في كل مجتمع ضميراً حياً، وقلباً نابضاً يدفع بالمجتمع إلى الأمام دائماً.
والحسين(ع) هو ضميرٌ حيٌ.. وما خاب من تمسك به.. وما ضيّع الحسين(ع) مواليه ومحبيه فهو يأخذ بأيدهم نحو الانتصارات، ويرشدهم نحو الصواب، ولهذا لابد من التمسك بنهجه إلى قيام يوم الدين.
وهذا ما نجده جلياً في الإمام الحسين (عليه السلام)، فلقد كان ولا يزال الضمير الحي في هذه الأمة، وذلك من خلال ما قام به من تضحيات تقف الأفواه والأقلام عاجزة عن وصفها،ان (كل الذين يكتبون عن الحسين تواجههم مشكلة واحدة: كيف يمكن أن يحمل أحدنا المحيط في كفه، أو يضع الشمس في حضنه، أو يلخص التاريخ في كلمته).
ولأن الإمام الحسين (عليه السلام) ضمير الأمة فإنه يبعث الهمة والتمرد والانتفاضة الذاتية في كل فرد يقرأ الإمام الحسين (عليه السلام) مشروعاً، ومنهجاً، وراية، وخرج من نطاق القراءة إلى نطاق العمل والالتزام بكل قيمة من قيم الحسين (عليه السلام).
ولأن الإمام الحسين (عليه السلام) ضمير الأمة فإنه يُعلم الناس كيف يرفضون المساومات، وكيف يتمسكون بالحق ويرفضون الباطل رفضاً قطعياً، فهو القائل كلمته الخالدة لعبد الله بن عمر عندما أراد أن يثنيه عن عزمه: (أنا أبايع يزيد، وادخل في صلح؟! وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله) فيه وفي أبيه ما قال!)
إن الحسين (عليه السلام) مشروع نهضة الأمة، فـ (ما من أمة تقتدي بالحسين إلا وتنتصر به على أعدائها. وذلك بعض ما عوّض الله به الحسين جزاء ما قدمه في سبيل ربه).
فعندما تجد الأمة نفسها في مواجهة من يريدون إخضاعها وإرغامها على البقاء في صفوف التخلف، فما عليها إلا أن تلجأ إلى هذا النهج المتقد، فهو السبيل للتحرر من التبعية والتخلف.. وهذا النهج ما تمسكت به أمة من الأمم إلا ونجحت في نهضتها، وما الانتصار الذي حققه (حزب الله) في صيف 2006 إلا دليلاً واضحاً على سلامة هذا النهج، وإلا فكيف يمكن لفئة لا تملك من السلاح إلا القليل والذي لا يقارن بما يملكه العدو الإسرائيلي من ترسانة عسكرية وجيش عُبر عنه بالجيش الذي لا يُهزم ان ينتصر ويجعل العدو يجر أذيال الخيبة والفشل؟
ولكن من تمسك بالنهج الحسيني قولاً وفعلاً بدّل هذه المقولة وقهر ذلك الجيش الأسطورة وعلمه درساً لن ينساه أبداً، وجعله يعاني من تلك الهزيمة!
وهذا ما يفعله الحسين بمن يقتدي به وبمن يرفع شعاراته وكلماته..
وما شعار: (هيهات منا الذلة) الا شعار يرفعه أهل العزة والكرامة، وهو شعار يرفعه أهل الضمائر اليقظة.
لقد قدم الحسين (ع) في يوم واحد كلّما يمكن أن يقدمه إنسان في سبيل ربه، كما ضرب أنصاره الكرام أروع الأمثلة في الإخلاص والإيثار. وهكذا كان الإمام، حجّة بالغة على كل متقاعس عن الجهاد، متخاذل خنوع.
إنهم يتقاعسون عن الجهاد حفاظاً على أموالهم ودورهم وضياعهم كما خشي عمر بن سعد وخرج بذلك لقتال الإمام الحسين عليه السلام بكربلاء.. أوَلم يكن للإمام ضياع ودور وأموال فتركها لله عندما قرر القيام ضد طاغية زمانه؟! ويتقاعس البعض عن الجهاد خوفاً على سمعته أن تنالها أجهزة التضليل الحكومية.. أوَلم يكن سيد الشهداء قد تعرّض لذلك التشويه فقالوا عنه: إنه قُتل بسيف جدّه، ونشروا في عرض البلاد وطولها أنه خارجي؟!
فكانت الاُلوف من المنابر التي أقامها النبي (صلى الله عليه وآله) للدعوة إلى الله تبثّ الزيغ والتبرير، والتحريض على المجاهدين الأوفياء لدين الله، وضد أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) ريحانة رسول الله (ص) بالذات، وينكفئ البعض عن واجبه الشرعي لأنّه يخشى على عائلته واُسرته أن تتضرّر في زحمة الصراع السياسي!
أيّ أهل بيت أعظم من أهل بيت الوحي وقد حملهم معه سيد الشهداء إلى كربلاء ليكونوا معه على موعد مع تلك المجزرة الرهيبة، ثم دعاة إلى القيام ضد بني اُميّة، وقد تعرّضت لكل ألوان البلاء وأشدها إساءة حتّى قُتلوا واُسروا وطافوا بهم البلاد، يتصفّح وجوههم أهل المنازل والمناهل، وهم حرم رسول الله، ومهابط وحي الله، ومعادن حكمته؟
وبعض الناس يزعمون أنّ القيادة ينبغي أن تكون محمية بعيدة عن الخطر.. وأي قائد أعظم من حجة الله وسبط الرسول وكهف المحرومين أبي عبد الله (عليه السلام)، وها هو يقدّم نفسه للفداء قرباناً إلى ربه ودفاعاً عن الرسالة؟!
وهكذا كان ولا يزال السبط الشهيد شاهداً خالداً علينا - نحن المسلمين - ضد كل تبرير وعذر، وتقاعس وانكفاء.. واليوم حيث يتعرّض خط الرسالة للتشويه من قبل أبواق الكفر والنفاق، ما أحوجنا إلى الإمام الحسين (عليه السلام) ونهجه وسيرته، وشهادته الدائمة على العصور.. وبصراحة، إنّ مَن يريد العزة والكرامة، والاستقلال والرقي لا بد أن يعد نفسه ومجتمعه إعداداً مناسباً، والنهج الحسيني هو الإعداد المناسب لكل تلك التطلعات.
علينا اليوم أن ننفتح على هذه النفحة السماوية التي تفيض بها ملحمة عاشوراء.
أجل، إنّ الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة.. فتعالوا نضيء جنبات حياتنا المظلمة بهذا المصباح الإلهي.