العالم لا يريد الحرب ضد إيران فهل يسمح بها ضد لبنان؟
الجمعة ٣١ يوليو ٢٠٠٩
٠١:٢٥ بتوقيت غرينتش
مجموعة من الإشارات اللافتة صدرت حديثا وكأنها توحي أن العالم يتجه لقبول إيران نووية،. فقد تراجعت التقارير التي تنذر بالصدام العسكري مع إيران، وتقدمت، بالمقابل، مجموعة من العوارض التي تشي بأن العالم يتوجس ويحذر من هذا الخيار، ويخشى من نتائج ضرب المفاعلات الإيرانية، وعليه يلتقي العسكري بالسياسي بالإستراتيجي بالاقتصادي لمقت سيناريو الحرب والتلويح بسيناريوات أخرى.
لم تكن تصريحات وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون زلة لسان أو تأتي خارج السياق، حين أعلنت أن بلادها ستوسع مظلتها النووية لحماية حلفائها وأصدقائها في حال امتلكت إيران السلاح النووي.
الإسرائيلي فهم الرسالة، فامتعض واستنكر وأدان. في بطن تصريح كلينتون خطاب جديد ناتج، لا ريب، عن نقاش داخل الإدارة الأميركية بدأ يهضم فكرة القبول بامتلاك إيران للسلاح النووي كما يهضم العالم حاليا امتلاك باكستان لهذا السلاح.
لكن هذه القراءة المبسطة والمباشرة لا تعني بالضرورة القبول بإيران الحالية دولة نووية. فالمطلوب، حسب ما يناقش في الكواليس، الوصول إلى صفقة تاريخية مع إيران، تضمن لطهران امن النظام، كما تضمن لواشنطن أمن إسرائيل وأمن الحلفاء في المنطقة. وخيار الصفقة في واشنطن، لا ينطلق فقط من فرضية "الكارثة" التي ستؤدي إليها الحرب، بل من حتمية التبدل الذي سيطرأ على شكل ولب النظام الحاكم في إيران والذي ظهرت إرهاصاته منذ ما قبل الحملة الانتخابية الأخيرة.
إشارة كلينتون ليست بعيدة من فلسفة أوباما (ومن قبله بيكر وهميلتون) في مقاربة الحالة الإيرانية. والانعطاف الأميركي في هذا الاتجاه بدأ حتى قبل أن يسمع العالم بأوباما، من خلال اعتراف أميركي، معلن ومبطن، في عهد الرئاسة السابقة، بالحاجة إلى إيران للتعامل مع ملفات أفغانستان والعراق ولبنان.
على أن هذا الاعتراف جاء دائما تقنيا، تبثه مراكز البحث الأكاديمي والأمني، دون أن يصل إلى حد الاعتراف السياسي على مستوى البيت الأبيض، مع ما سيواكب ذلك من إجراءات وتدابير وقرارات.
فهمت إيران هذا التطور قبل غيرها. فالنظام على دراية تامة بتطور العقلية الأميركية إزائها، وبالنقاش والجدل الجارين في أقبية المؤسسات في واشنطن، كما بالاتصالات المباشرة وغير المباشرة، المعلنة والسرية، والتي تجرى بين مندوبين ومسؤولين وسياسيين وديبلوماسيين للبلدين.
لاحظت طهران تخلي البنتاغون عن خياراته العسكرية (لاحظ تصريحات قائد الأركان الأميركي الأميرال مايكل مولن)، دون أن يشكل الأمر لدى القيادة الإيرانية يقينا نهائيا. وإيران، بالمناسبة، مسؤولة في شكل مباشر عن تبدل المزاج الأميركي، سواء من خلال القدرة الإيرانية على المجابهة والتعطيل (العراق، فلسطين، أفغانستان، لبنان...)، أو من خلال إثبات قدرتها على التسهيل (لاسيما في الشأن اللبناني خصوصا من خلال اتفاق الدوحة).
أدركت إيران صدق التحول الأميركي منذ أن تولى باراك أوباما دفة القيادة في الولايات المتحدة. وهي صدقية ظهرت واضحة من خلال عدم الاندفاع في واشنطن في دعم المعارضة الإيرانية أثناء الاحتجاجات الأخيرة. ومن خلال "تصادف" إطلاق سراح من وصفوا بالديبلوماسيين الإيرانيين المعتقلين من قبل القوات الأميركية في العراق.
بادلت طهران حذر واشنطن بضبط الهجوم على الولايات المتحدة عند الحديث عن التدخل الخارجي في الشؤون الإيرانية، والتعويض عن ذلك بالتركيز في هذا الصدد بصب جام الانتقادات والغضب على بريطانيا وفرنسا مثلا.
لكن إيران تشعر بصعوبة أكثر في فهم المدى الذي ستذهب إليه واشنطن في تلك "الصفقة" المفترضة، وفي ملاحقة الحركة الديبلوماسية النشطة و "الخطرة" التي تقوم بها واشنطن في العالم (لاسيما الصين وروسيا) والإقليم (جولة روبرت غيتس الأخيرة)، لإضعاف ومحاصرة الوضع الإيراني وجره إلى "الصفقة" ضمن الشروط الأميركية المقبولة.
الكيان الإسرائيلي يدرك جدية التحول، ولا ينظر بعين الرضا إلى هذا الإجماع العالمي المعلن لمنع الحرب ضد إيران. وتل أبيب تشعر بجفاف حججها حول الخطر الإيراني الداهم، والذي يستدعي الحرب.
وفي مقابل خفت الهمة الدولية في هذا الإطار، تشتعل التصريحات الإسرائيلية والإيرانية المتبادلة، على نحو قد يلفت إلى مصلحة مشتركة إسرائيلية - إيرانية (أو بعض في إيران)، لتسخين الوضع كل لمآربه، من جهة، ولضرب التوجه الأميركي الجديد، الشديد الغموض للطرفين، من جهة ثانية.
على أن ارتباك طهران وتل أبيب الموضوعي قد يستدعي تحويل المنازلة (المصلحة) بينهما إلى لبنان. فالمكان يشكل ساحة الصدام المناسبة بين الكيان الإسرائيلي وإيران. والمكان ساحة للصراع غير المباشر، ويتم بالوكالة المسموح بها دوليا.
والمكان مناسبة لشراء الوقت ضد الحركة الأميركية المستعجلة والمربكة لكل الأطراف. والمكان فرصة لتصفية حساب الكيان الإسرائيلي قديم مع هذا البلد، وفرصة قد يرضى عنها البعض كونها تشكل ضغطا مطلوبا على حزب الله. والمكان إعادة تموضع ميداني إيراني بعد أن شله