وكانت وسائل الاعلام الايرانية قد رحبت بالاتفاق الامريكي الايراني وما قام به الرئيس حسن روحاني من مهمة شاقة في نيويورك وعلى منبر الامم المتحدة من تبيان مواقف ايران الحقة والدفاع عن سياسة بلاده في الاحتفاظ بالبرنامج النووي السلمي وضرورة رفع العقوبات الظالمة وتنديده بالارهاب وشجبه باستمرار الحروب والازمات. وقد تمكن الرئيس روحاني بأسلوبه الرصين وكلامه النافذ من اقناع العالم وخاصة الرئيس الامريكي بوجهة نظر ايران حيث اعترف اوباما في خطابه بحق ايران في اقتناء البرنامج النووي السلمي والدخول في محادثات جادة مع الايرانيين وكسر الجليد بين البلدين وفتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية.
الرئيس الايراني كان قد حصل على موافقة قائد الثورة الاسلامية اية الله السيد على خامنئي على سياسته الجديدة وذلك خلال لقائه القائد قبل توجهه الى نيويورك، وهذا ما أشار اليه الرئيس الامريكي من ان الزعيم الاعلى لايران قد حرم صنع الاسلحة النووية واقتناعه باقوال الرئيس روحاني وصدق كلامه و دوره الفعال في ايران.
ان زيارة الرئيس الايراني لنيويورك قد فتحت صفحة جديدة في العلاقات الدولية، وكان موقف الرئيس الامريكي من خطاب وتصريحات الرئيس روحاني ايجابيا جدا وقد اعلن الرئيس روحاني انه يريد خطوات سريعة في حل القضايا الخلافية والاتفاق بين البلدين على تنفيذ اجراءات عملية ومنها الغاء العقوبات الاقتصادية بعد الجلوس الى طاولة المحادثات كما اشترط الرئيس روحاني بان تدخل الولايات المتحدة المحادثات بدون شروط مسبقة.
الملفت للانتباه أن دول العالم وخاصة البلدان الاوروبية التي كانت شريكة للولايات المتحدة في فرض العقوبات على ايران، قد رحبت بالاتفاق الامريكي الايراني. وكان وزيرا الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف والأمريكي جون كيري قد عقدا اجتماعاً ثنائياً على هامش اجتماعات الدورة 68 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك بعد أن التقيا ضمن اجتماع موسَّع ضم نظرائهم وزراء خارجية بريطانيا وفرنسا وروسيا والصين والاتحاد الأوروبي وألمانيا والاتحاد الأوروبي حيث تم الإعلان عن استئناف المفاوضات بين إيران ومجموعة (5+1) حول الملف النووي الإيراني في جنيف يومي 15 و16 من تشرين الأول/ أكتوبر المقبل.
وقد اعتبر السياسي المصري البارز الدكتور محمد البرادعي، أن الحوار بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران هو مفتاح لاستقرار منطقة الشرق الأوسط. وقال البرادعي الذي شغل سابقاً منصب نائب الرئيس المصري للشؤون الخارجية، في تدوينة بالإنجليزية على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي (تويتر)، إن "الحوار الأمريكي – الإيراني هو صفقة كبرى.. والحوار بينهما مفتاح لاستقرار الشرق الأوسط، والذي كان على طاولة المفاوضات لسنوات."
وأضاف ان "التصعيد وفشل السياسات بين إيران وأمريكا وراء التخبّط والصراع في منطقة الشرق الأوسط، وعلينا ألا نضيع الفرصة هذه المرة."
الاتفاق الامريكي الايراني في الوقت الذي أثار الفرح بين الايرانيين والامريكيين والاوروبيين وشعوب المنطقة بسبب التوصل الى نهاية قريبة للازمة التي استمرت 34 عاما، أحزن اسرائيل وبعض الدول العربية التي لا تريد الاستقرار للمنطقة، وترغب استمرارالازمات والحروب لكي تنشغل الشعوب بها وتبتعد عن محاسبة حكامها على ما يقترفونه من قمع وقتل ومجازر وخاصة حكومة البحرين التي تواصل قمعها لشعبها الذي يطالب بحقه في الحرية والمساواة والديمقراطية.
فالكيان الصهيوني وعلى الخصوص رئيس وزرائه بنيامين نتنياهو، هو اكثر الناس حنقا على ايران وعلى الرئيس الامريكي باراك اوباما بسبب اتفاقه مع الرئيس الايراني لحل الخلافات بين البلدين وهو من ابرز الخاسرين في هذه القضية التي لم يصدق انها قد حصلت فعلا بين الجانبين. لقد كان نتنياهو يحرض الامريكيين ضد ايران ويدعوهم الى مهاجمة المنشآت النووية الايرانية ويحذرهم مما اسماه بخداع الرئيس الايراني للامريكيين. وها هو اليوم يرى بان جميع خططه قد فشلت، وان ما بناه طوال سنوات من آمال لضرب البرنامج النووي الايراني قد تهدم على رأسه.
فالصحافة العبرية أبرزت خيبة أمل نتنياهو وهزيمته المنكرة بالضربة القاضية وها هي صحيفة يديعوت احارونوت تكتب مقالا بعنوان "شطرنج فارسي" ترسم فيه صورة كاريكاتيرية لنتنياهو وهو يستيقظ من نومه وتصبب عرقا بسبب سماعه بالاتفاق بين اوباما وروحاني تقول الصحيفة: استيقظ رئيس الوزراء من نومه والعرق البارد يغطي جبينه. قال متنهدا: "إنها حيلة دعائية. يا ليتني كنت استطيع أن أوجد حيلة دعائية تمحو كل ما حدث هذا الاسبوع في نيويورك."
وأضافت الصحيفة: " أدهش العالم في السنة الماضية بالخط الاحمر الذي رسمه على رسم كاريكاتوري لقنبلة ذرية. ولم يعلم أحد، حتى ولا العاملون في ديوان رئيس الوزراء ـ أن يُفسروا ما معنى ذلك الخط بمفاهيم التسلح الذري ـ وفي أية ظروف ستجتازه ايران ومتى سترد اسرائيل اذا ردت أصلا. لكن لم يكن للتفاصيل أية أهمية، فقد قامت الصورة بالعمل، فهي لم تعق المشروع الذري الايراني، لكنها سيطرت يوما أو يومين على نشرات الأخبار في العالم، وحظيت بمئات آلاف التصفحات في اليوتيوب. ينتظر الناس الآن حيلة دعائية أكبر، تُقدم إليهم وجبة فاخرة حتى يطلبوا اثنتين. هل يستل رئيس الوزراء في هذه المرة قنبلة حقيقية بدل القنبلة المصورة ويفجرها على منصة الخطباء؟ من المؤكد أن ذلك سيثير ضجيجا، أو ربما يتوسل رئيس الوزراء قائلا أريد حيلة دعائية."
وأخيرا لقد تناول كتاب صحيفة "الحياة" السعودية التي تصدر في لندن اتفاق اوباما روحاني في مقالاتهم ليوم الاحد 29 ايلول سبتمر معبرين عن غضبهم وحنقهم ومعارضتهم القوية لهذا الاتفاق وقد اتفق جميع كتاب الصحيفة على ادانة الاتفاق ورأوا فيه انجازا سلبيا لايران. الا ان الصحفي السعودي جمال خاشقجي اعترف ولاول مرة بهلع السعوديين وخوفهم من الاتفاق الامريكي الايراني بقوله:
"ينتابنا الهلع كلما لاحت في أفق السياسة مصالحة أميركية - إيرانية، مثلما هو حاصل هذه الأيام في نيويورك، حيث يتقاطع الرئيسان الإيراني حسن روحاني ونظيره الأميركي باراك أوباما في أروقة مبنى الأمم المتحدة ولكن لا يلتقيان، بعضنا يذهب إلى حد «المؤامرة»، فهو مقتنع أن ثمة حلفاً خفياً وتعاوناً بين الطرفين ولن يلبث إن يصعد إلى السطح، ويعلن رسمياً الحلف الأميركي - الإيراني الجديد على حسابنا نحن في السعودية والخليج (الفارسي)، لنسقط من «الحجر» الأميركي بعدما يتربع عليه الإيراني، فندفع الثمن غالياً من مصالحنا وحقوقنا.
ويبين الصحفي السعودي مدى وقع الاتفاق الصدمة على السعودية ومسؤوليها وما يفكر به بعض المسؤولين السعوديين من افكار تنم عن هزال في التفكير وضحالة في المعلومات وقصر نظر ويقول: "أعتقد أننا جميعاً بحاجة إلى جلسات علاج نفسي، ودورات في علم «السياسة الحقيقية» حتى نستعيد ثقتنا بأنفسنا، وأننا أقوى مما نعتقد، وأستعير عبارة رئيس الاستخبارات السعودية السفير السابق الأمير تركي الفيصل أن «إيران نمر من ورق»، فقط نحتاج إلى بعض من التركيز والتخطيط لنحدد من هم حلفاؤنا الاستراتيجيون، وما هي مصالحنا الثابتة، وأن الشرق الأوسط الذي استوعب يوماً «القوى العظمى» مملكة فارس والروم، ثم وجد عرب الصحراء مكاناً لهم في التاريخ بينهما، بل أكثر، يستطيع أن يستوعب كل دول المنطقة بما فيها إيران وتركيا، وأن ندرك أن المصالحة مع إيران هي مصلحة للجميع، وأننا يجب أن نسعى إليها أكثر مما يسعى إليها الأميركيون.
ويقترح الصحفي السعودي على المسؤولين في بلاده تطبيع العلاقات مع ايران لان ذلك سيكون في مصلحة السعودية ويقول: " إذاً فإن السعي لتطبيع العلاقات مع إيران هو «سياسة حقيقية» مطلوبة لمصلحة المملكة، وتحصل كل يوم، جربتها السعودية مرات عدة، وتمارسها الإمارات حتى الآن بعلاقات اقتصادية هائلة، وفعلته عُمان بزيارة رسمية من السلطان قابوس مستفتحاً بها عهد الرئيس الإيراني «الإصلاحي» روحاني، وقيل إن ثمة رسائل نقلت عبره من الولايات المتحدة.
يبدو ان الصحفي السعودي أدرك قبل غيره من المسؤولين السعوديين والعرب بان الظروف قد تغيرت وان مواصلة العداء لايران لن يجدي نفعا وان تطبيع العلاقات معها هي في مصلحة الجميع، واننا ندعو الاخوة المسؤولين في المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون التفكير جيدا ومد يد الاخوة والصداقة الى ايران كما فعل الرئيس روحاني قبل اسابيع بان اعلن عن رغبة بلاده بتعزيز علاقاتها مع دول الجوار العربية وخاصة المملكة العربية السعودية.
* شاكر كسرائي