عاجل:

صناع النكبة وأرباب الهزيمة

الأربعاء ١٥ مايو ٢٠١٣
٠٨:٢٦ بتوقيت غرينتش
صناع النكبة وأرباب الهزيمة لا نشكك أبداً في وطنية أجدادنا وأهلنا العرب والفلسطينيين الذين شهدوا النكبة، وعانوا ويلاتها، واكتوا بنار الهجرة واللجوء، وأجبروا على ترك بيوتهم وقراهم تحت هول المذابح المروعة، والمجازر الدموية، التي ارتكبتها العصابات الصهيونية المسلحة، وانتقلت بها إرهاباً وترويعاً من قريةٍ إلى أخرى، أو أؤلئك الذين خرجوا من بيوتهم طاعةً لأولي الأمر وأصحاب الشأن، الذين طلبوا منهم المغادرة لبعض الوقت، ليتسنى لجيوشهم العربية مواجهة العصابات اليهودية وإبادتها، وطرد من بقي منهم من الأراضي الفلسطينية.

لا نشك أبداً في أن أهلنا كانوا أشد منا تمسكاً بالأرض، وتشبثاً بالحق، واعتزازاً بفلسطين، ورفضاً للتنازل عنها، أو التخلي عن أي جزءٍ منها، فهم الذين كانوا يتصدون للعصابات اليهودية وللجيش البريطاني إبان فترة الإنتداب، في الوقت الذي كانت فيه سلطاتُ الإنتدابِ البريطاني تعتقلُ وتعدم كل من يثبت تورطه في المقاومة، أو يلقى عليه القبض متلبساً بحمل سلاح، أو اقتناء بندقية.


لكنهم على الرغم من إجراءات السلطات البريطانية القاسية جداً بحق سكان فلسطين الأصليين، وتعاونها الواضح والجلي مع السكان اليهود وانحيازها إليهم، وتشجيعها المهاجرين الوافدين من وراء البحار للاستيطان فيها، إذ كانت تفرض القوانين التي تيسر دخولهم بأعدادٍ كبيرة، وكانت تسمح للعصابات اليهودية بفتح معسكرات تدريب، وشراء مختلف أنواع السلاح، بل كانت الحامية البريطانية تزودهم بنفسها بالسلاح، وتغض الطرف عن اعتداءاتهم المتكررة على الفلسطينيين، ولا تستخدم القوة ضدهم لإجبارهم على الخروج من أراضٍ استولوا عليها، أو مبانٍ وضعوا أيدهم عليها، إلا أن الفلسطينيين قاوموا السياسة البريطانية، وقاتلوا العصابات الصهيونية، بكل ما توفر لهم من سلاحٍ أبيض، كالسكاكين والفؤوس والمعاول، والبنادق القديمة التي تعمل بصعوبة، ولا تصيب إلا نادراً، وقد لا تقتل أو تجرح إذا أصابت.


لم يجبن الفلسطينيون عن الدفاع عن وطنهم، ولم يرتدوا على أعقابهم، بل شمروا عن سواعدهم، وحملوا بنادقهم، وما تيسر لهم من سلاحٍ بسيطِ وسبقوا الجيوش العربية وقاتلوا، كما لم يمتنعوا عن شراء السلاح دفاعاً عن أرضهم، فباعت النساءُ حليها، وتركت زينة بيوتها، وتخلى الرجال عما يملكون، واشتروا بما توفر لديهم من مالٍ سلاحاً به يقاومون ويقاتلون، واعتمدوا على شبابهم، وركنوا إلى قوتهم، وراهنوا على ما عندهم، ولم يبخلوا بشئٍ مما يملكون، قبل أن يطلبوا العون من الشعوب العربية، التي لم يتوانَ أهلها عن نصرة فلسطين، والوقوف إلى جانب شعبها، والمشاركة في الجهاد على أرضها ضد الغاصبين الصهاينة، ومنهم من استشهد على أرضها، وكثيرون ما زالت آثارهم باقيةً فيها، فلا الفلسطينيون قصروا في الدفاع عن وطنهم، ولا الشعوب العربية تأخرت وامتنعت عن نصرة إخوانهم وأهلهم في فلسطين.


العصابات اليهودية في زمن النكبة لم تكن تتمتع بقوةٍ لا تقهر، ولم تكن تملك سلاحاً لا يهزم، ولم تكن تسيطر على مساحاتٍ كبيرة من الأرض الفلسطينية، ولم تكن أعدادها كبيرة، ولم يكن عمقها استراتيجياً، كما لم يكن حلفاؤها بهذه القوة، ولم تكن علاقاتها أخطبوطية، ولم يكن لها لوبي يخطط ويتحكم ويسيطر، ولم تكن أمريكا تحتضنهم وترعاهم وتؤيد سياساتهم، رغم إقرارنا وتأكيدنا أن الكثير من دولٍ العالم كانت تؤيدهم، وتسعى للتكفير عن "جريمتها" معهم في أوروبا، وتحاول أن تساعدهم ضد العرب الفلسطينيين، إلا أنهم مع ذلك كانوا ضعافاً، وكان بالإمكان هزيمتهم وطردهم، وكان من الممكن منع سفنهم من الوصول إلى حيفا، وكان من الممكن حصارهم، ومنع تقدمهم وتمددهم.
 

قد كان بإمكاننا نحن العرب في حينها أن نعمل الكثير، وقد كنا قادرين على أن نتجنب النكبة، ونحافظ على فلسطين، ونحول دون ضياعها، فما الذي حدث، ومن الذي يتحمل المسؤولية، أهم الفلسطينيون الذين قاتلوا ببسالة بما يملكون، أم أولئك الذين صدقوا قيادتهم العربية وأملوا فيهم، واعتقدوا أنهم صادقين، وأن جيوشهم السبعة الجرارة ستقضي على الأحلام الصهيونية، وسترغم رواد المشروع الإسرائيلي على الانكفاء والتراجع، وستمكن فلسطين من إعلان دولتها بعد انتهاء الانتداب وانسحاب القوات البريطانية منها، فقد كانت الظروف في حينها ممكنة، وليست مستحيلة، بل لم تكن صعبة.


قبل أن أتناول المسؤولين الحقيقيين عن النكبة، صناع الهزيمة وأرباب الفشل، الذين يتحملون جريرة ضياع فلسطين، وشتات أهلها، ومعاناة شعبها، فإنني أتوقف أمام الدماء العربية الطاهرة التي سفكت، وأنحني إجلالاً وتقديراً لأرواح الجنود والضباط العرب، الذين قضوا نحبهم في فلسطين واقفين، أيديهم ثابتة على الزناد، وأقدامهم راسخة في الميدان، وأرواحهم تتلهف للمواجهة واللقاء، فقد قاتلوا بصدق، وجاؤوا إلى فلسطين بوعدٍ ويقين، وثبتوا في الميدان دون خوف، وواجهوا العصابات الإسرائيلية بجرأة، وما كانوا ليتخيلوا أنهم سيهزمون، وأن جمعهم سيتمزق، وأن قيادتهم ستتراجع، وستقبل بالهزيمة، وستسلم بالضياع.
 

في الذكرى الخامسة والستين للنكبة نحمل النظام العربي الذي كان سائداً مسؤولية الهزيمة، فهو وحده الذي يتحمل مسؤولية النكبة وما تبعها، وعلى عاتقه تقع كامل المسؤولية القومية والدينية، فقد قصر مع جنوده، وخذل ضباطه، وتركهم في الميدان نهباً للعدو، في الوقت الذي سلم فيه بالهزيمة، وأقر فيه بالإنكسار، وأصدر أوامره للجنود بالانسحاب، وللفيالق بالتراجع، مانعاً إياها من التقدم وإطلاق النار، وعاقب من خالف الأوامر بالسجن والاعتقال، ويشهد الإسرائيليون أنفسهم أن بعض الجبهات العربية في فلسطين كانت ترمي بالنار كالحمم، وكانت تلتهب كجهنم، وتحمل معها الموت لكل من يتجرأ ويقترب.


في ذكرى النكبة نقول، لا شئ يحمي الوطن كالسلاح، ولا شئ يقوى على الدفاع عن الأرض سوى القوة، ولا يرغم أنف العدو إلا السلاح الرادع، ولا أحد يقوى على التحرير ويصمد في الميدان كالمقاوم العربي الحر الشريف، وقد أثبتت المقاومة صمودها وثباتها وقدرتها على تحقيق النصر أو منع الهزيمة، فحتى لا يتحمل النظام العربي المسؤولية مرةً أخرى، ويتحمل من جديد تبعات ضياع فلسطين إلى الأبد، فإن عليه أن يمكن للمقاومة في فلسطين، وأن يزودها بكل ما أمكن من قوةٍ وسلاح، إذ السلاح بيد الشعب قوة، وهو انتصار، وهو يخيف العدو، ويحول دون ارتكابه لحماقاتٍ جديدة، فيا أيها العرب أفسحوا المجال للمقاومة، أعطوها ما تريد، وزودوها بما تحتاج، فإنها سندٌ لكم ودرءٌ لنا. 

*د. مصطفى يوسف اللداوي  
 

0% ...

آخرالاخبار

العلاقات العامة في بحرية الجيش الإيراني: هذا هو مصير جميع السفن والمركبات التي تتجاهل التحذيرات وتعبر في المناطق المحظورة


العلاقات العامة في بحرية الجيش الإيراني: اشتعال النيران بناقلة نفط من جراء اصطدامها بلغم بحري في أثناء عبورها بمسار ممنوع شرق مضيق هرمز


هل سيقيل ترامب وزير الحرب بعد خسارة الانتخابات


ايران تحول عقيدتها العسکرية من الدفاعية الی الهجومية


حماس: المشهد الكارثي الإنساني وغرق شعبنا وصمة عار على جبين المجتمع الدولي


10 شهداء في حصيلة أولية لمجزرة العدو السعودي في منطقة الشرية بمديرية بني حشيش شرق العاصمة


مسؤول إيراني رفيع : أي هجوم على إيران سيُواجه برد فوري وغير محدود


وزارة الصحة بغزة: بلغت الحصيلة التراكمية منذ بداية العدوان، ⁠74,640 شهيدا، و175,947 إصابة


الدفاع المدني بغزة: آلاف النازحين في القطاع أصبحوا بلا مأوى إثر غرق خيامهم


الدفاع المدني بغزة: كارثة إنسانية جديدة في القطاع بعد فقدان آلاف النازحين خيامهم


الأكثر مشاهدة

وزير الحرب الأمريكي هيغسيث: لم ينجح العزل مع الرئيس ترامب ولن ينجح معي


ارتفاع أسعار النفط نحو 4% وبرنت يسجل 98 دولارا للبرميل


فرانس برس: ١.٦ مليون شخص في مختلف أنحاء فرنسا يشاركون في احتجاجات على على ارتفاع الأسعار


الرئيس الصهيوني: سأعلن يوم الأحد اسم المكلف بتشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة


السيطرة على سادس طائرة استطلاع أمريكية مسيّرة من طراز MQM-170 في سماء جزيرة قشم


البرلمان التركي يصدق على "اتفاقية مكة" للدفاع المشترك بين تركيا وباكستان والسعودية


ترامب حول النزاع الأوكراني: أعتقد أننا سننهي الأمر قريبا جدا ربما قريبا جدا


إسلامي: تهديد ترامب بشن هجوم على جبل كلنج دليل على العجز


رئيس المنظمة الايرانية للحج والزيارة يبدأ زيارة الى السعودية بدعوة من نظيره السعودي


الرئيس الصهیونی يحدد موعد الإعلان عن اسم الشخصية المكلّفة بتشكيل الحكومة المقبلة


"يونيفيل": نواصل مهامنا في جنوب لبنان حتى انتهاء ولايتنا بنهاية العام الجاري