عاجل:

في فلسطين صراعٌ على بقايا وطن

الثلاثاء ١٦ أبريل ٢٠١٣
٠٩:٢٢ بتوقيت غرينتش
في فلسطين صراعٌ على بقايا وطن الصراعُ على السلطةِ ظاهرةٌ قديمة، عمرها عمرُ الإنسان، وإن بدت وظهرت في المجتمعات الأكثر تنظيماً وتطوراً، بدءاً من العائلة وصولاً إلى أرقى أشكال التنظيم المدني والسياسي المتمثل في الدولة، حيث يبرزُ الوجهاءُ والزعماءُ والقادة، وتكثرُ المصالحُ والمكاسبُ والمنافعُ، وتتناقض الأهواءُ، وتتعارضُ الإراداتُ، وتختلفُ الأهداف، وتنشأ العلاقاتُ الخاصة، وتنمو المصالح الشخصية، ما يخلق حالةً من التنافس والصراع الذي قد يصل إلى الحرب والقتال.

يسعى كلُ طرفٍ للسيطرة والهيمنة، وأحياناً للتفرد والتسلط، وقد يستخدمون في معاركهم مع بعضهم أدواتٍ قذرة، ويلجأون إلى مسالك غير مشروعة، وقد يستعينون بالعدو على الصديق، وقد يتآمرون على حتف الشريك، ويبررون لأنفسهم مختلف الوسائل للوصول إلى السلطة، التي هي غايتهم وهدفهم، غير مبالين بالشعب الذي يتضرر، والمصالح التي تتعطل، والدماء التي تنزف، والطاقات التي تهدر، والاقتصاد الذي يتدهور، والبنى التحية التي تدمر، والحياة التي قد تجمدُ وتصبحُ عصيةً على العيش، مرةً لا تطاق، وبعيدةً لا تُنال، فما يهمهم هو البقاء، وما تشغلهم هي السلطة والمنصب والجاه.
لعل الصراع على السلطة يكون مبرراً في المجتمعات المستقلة، التي تملك قرارها، وتتمتع باستقلالها، ولا تعاني من احتلالٍ ولا من اغتصاب، ولديها اقتصادها الحر، ومصالحها الخاصة، ولا يوجد أخطار تهددها، ولا أعداء يطمعون بها، ولا جيران يتربصون بها، وينتهزون فترات الضعف للإنقضاض عليها، وإزاحة وتغيير حدودها، أو السيطرة على قرارها ومقدراتها، ومصادرة حاضرها وشطب مستقبلها.
فمن الطبيعي أن تنشأ في المجتمعات الآمنة المطمئنة كتلٌ وتحالفاتٌ وأحزاب، وأن تظهر برامج ورؤى، وتعلن سياساتٌ ومخططات، قد تكون مختلفةٌ ومتباينة، يساريةٌ أو يمينية، اشتراكيةٌ أو رأسمالية، ولكنها تهدف إلى النهوض بالمجتمع، والاهتمام بالسكان، وتطوير الحياة، وتوفير ما يلزم للمواطنين، وتلبية احتياجاتهم في مجالات الصحة والتعليم والسكن والعمالة والخدمات العامة، ويحق لمن يقدم أكثر، وينجز أفضل، أن يتقدم على غيره، وللشعب وحده الحرية في المفاضلة والاختيار، وهو صاحب الحق والقرار، وما المتنافسون إلا ساعين لرضاهم، وحريصين على قبولهم، وتأييد برامجهم، ودعم سياستهم.
أما وإن فلسطين ما زالت محتلةً، وفاقدةً لاستقلالها، ولا تملك خياراتها، ولا تقوى على فرض هيمنتها، وبسط سلطتها، وتشكو من اعتداء الإسرائيليين وتوغلاتهم، وتقف عاجزةً أمام أعمال القتل والاعتقال والمصادرة والتجريف والتخريب، ولم تتمكن من نيل الاعتراف الدولي بها كدولةٍ مستقلةٍ كاملة السيادة، ولم تحصل على حقوق وامتيازات الدولِ الكاملة، فلماذا الاختلاف والصراع والتنافس، وعلام الاقتتال والتنابذ، وتبادل الاتهامات والإيغال في الخصومة والمبالغة في العدواة.
لا شئ عندنا يستحق التنافس والصراع، ويوجب الاختلاف والانقسام، فلا كعكة نقتسمها، ولا مكاسب نوزعها، ولا سلطة نتنافسها، بل الأصل أن يكون التنافس بين الفرقاء على المقاومة، وأن يكون السباق على الخدمة، والتمايز على الصمود والثبات، أن يقدم كل طرفٍ أقصى ما عنده على جبهات المقاومة، وفي سوح النضال والمواجهة، وفي سجون العدو ومعتقلاته، أو في ميادين العون والخدمة والمساعدة، إذ لا مجال في ظل الاحتلال الجاثم على صدرونا جميعاً، وفي ظل جداره العازل، واجتياحه المتواصل، وسجونه المفتوحة، وحصاره الذي لا ينتهي، إلا أن نتفق، وأن نضع جانباً خلافاتنا الداخلية، وأن نتوقف عن الصراع على السلطة، والسعي للسيطرة والهيمنة.
أليست مدعاةً للسخرية والتهكم، أن نتصارع على حكم الشعب، والتحكم في رزقه، والتسلط عليه في عيشه، ونحن لا نتجاوز في عددنا الثلاثة ملايين نسمة، وأرضنا مقسمة، ومزارعنا لا نملكها، ومساجدنا لا يحق لنا أن نصلي فيها، ومدننا وقرانا لا تستطيع أن ندخلها، إننا نتنازع السلطة قبل أن تكون، ونقتتل عليها قبل أن تنشأ، ونختلف عليها قبل أن تكون حقيقيةً ذات سيادة، ومع ذلك فإننا نتبارى في بناء الأجهزة الأمنية، وقائية وعسكرية، وجنائية وقومية، وبحرية ومدنية، وشرطة وأمنٍ عامٍ وأمن داخلي وأمنٍ وطني، وغير ذلك من الأجهزة التي فاق عددها تعداد الشعب.
ألا يتنافس المتصارعون على السلطة في البحث عن وظائفٍ للمواطنين، وتوفير فرص عملٍ كريمٍ لهم، وتأمين مستقبلهم، وضمان تعليمهم، وتوفير الطبابة والعلاج لمريضهم، والعمل على تحسين مستوى عيشهم، ورفع رواتبهم، أو تأمين انتظامها، والتأكيد على عدم قطعها.
ألا يتنافس الباحثون عن السلطة في بناء المنازل المهدمة، أو تعمير الشوارع المخربة، أو في جمع القمامة المتراكمة، أو إزالة الركام وبقايا المباني المهدمة، ألا يتسابقون في تنظيم السير، وتحسين وسائل المواصلات، وتقليل عدد الحوادث، ومنع كوارث القتل والدهس، ألا يسعون لتحسين الكهرباء، وزيادة ساعات التغذية، والعمل على ضمان خصولهم عليها خاصةً في ظل شهر الصيف اللاهب الذي يتربص وينتظر.
ألا يسعى المتنافسون على السلطة لتوفير أسباب العيش الكريم للمواطنين، فيوفرون أو يدعمون السلع الغذائية، ويرفعون من مستوى خط الفقر الذي يعاني منه أغلب الفلسطينيين، فلا تعود هناك شكوى، أو بيوتٌ معدمةٌ فقيرة، ولا يقوم مواطنٌ بحرق نفسه، أو نصب خيمةٍ والاعتصام أمام منزلِ أو مكتبِ مسؤولٍ أو وزير، محتجاً على عجزه، وثائراً على فقره، وعدم قدرته على توفير لقمة العيش له ولأسرته.
لكن الغريب في الأمر أن التنافس الحادث بين الساعين للسلطة، واللاهثين وراءها، إنما هو فيما يكره الشعب ولا يحب، وهو فيما يعيب ويشين ويخزي، فهو إما في تنسيقٍ أمني مقيتٍ مع العدو، وتبادلٍ مخريٍ للمعلومات معه، تضر بسلامة المواطنين وأمن الوطن، أو في سباقٍ محمومٍ في السجن والاعتقال والتوقيف والاستدعاء والاستجواب، أو في فرضِ المزيد من الضرائب، أو في اقتناص السيارات والتربص بها، وتحرير المخالفات بحق أصحابها، أو حجزها ومنع حركتها إكراهاً لمالكها أن يدفع، أو يبيع ويخلص.
ألا يحق لنا أن نتساءل عن أسباب هذا الصراع ودوافعه، وعن الجهات التي تحركه، وعن سر التمسك بالسلطة، والخوف من فقدانها، رغم أنها عبئ ومسؤولية، وأمانةٌ يحاسب القائمون عليها، وقد يأتي يومٌ فيه يحاكمون ويعاقبون، إذ في ظل غياب محددات السلطة، وعلامات السيادة، وأمارات القوة وشروط الدولة، فلا معنى لحاكمٍ، ولا قيمةَ لمسؤول، ولا شأن لرئيسٍ، حتى يكون لنا دولةٌ ووطنٌ، ورايةٌ وسفارةٌ وعلمٌ.

د. مصطفى يوسف اللداوي - بيروت في 15/4/2013

0% ...

آخرالاخبار

حماس: المشهد الكارثي الإنساني وغرق شعبنا وصمة عار على جبين المجتمع الدولي


10 شهداء في حصيلة أولية لمجزرة العدو السعودي في منطقة الشرية بمديرية بني حشيش شرق العاصمة


مسؤول إيراني رفيع : أي هجوم على إيران سيُواجه برد فوري وغير محدود


وزارة الصحة بغزة: بلغت الحصيلة التراكمية منذ بداية العدوان، ⁠74,640 شهيدا، و175,947 إصابة


الدفاع المدني بغزة: آلاف النازحين في القطاع أصبحوا بلا مأوى إثر غرق خيامهم


الدفاع المدني بغزة: كارثة إنسانية جديدة في القطاع بعد فقدان آلاف النازحين خيامهم


الدفاع المدني بغزة: سجلنا غرق مخيمات بأكملها في جميع مناطق القطاع فجر اليوم


الدفاع المدني بغزة: تلقينا أكثر من 1500 نداء استغاثة من مواطنين تضررت خيامهم في جميع محافظات القطاع


مجزرة في تعز.. 30 شهيد في غارة سعودية علی سوق شعبي


المسؤول الأمني: نحذر دول المنطقة من أن أي تعاون مع المعتدين سيجعلهم أهدافاً مشروعة لعمليات الدفاع الإيرانية


الأكثر مشاهدة

وزير الحرب الأمريكي هيغسيث: لم ينجح العزل مع الرئيس ترامب ولن ينجح معي


ارتفاع أسعار النفط نحو 4% وبرنت يسجل 98 دولارا للبرميل


فرانس برس: ١.٦ مليون شخص في مختلف أنحاء فرنسا يشاركون في احتجاجات على على ارتفاع الأسعار


الرئيس الصهيوني: سأعلن يوم الأحد اسم المكلف بتشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة


السيطرة على سادس طائرة استطلاع أمريكية مسيّرة من طراز MQM-170 في سماء جزيرة قشم


البرلمان التركي يصدق على "اتفاقية مكة" للدفاع المشترك بين تركيا وباكستان والسعودية


ترامب حول النزاع الأوكراني: أعتقد أننا سننهي الأمر قريبا جدا ربما قريبا جدا


إسلامي: تهديد ترامب بشن هجوم على جبل كلنج دليل على العجز


رئيس المنظمة الايرانية للحج والزيارة يبدأ زيارة الى السعودية بدعوة من نظيره السعودي


الرئيس الصهیونی يحدد موعد الإعلان عن اسم الشخصية المكلّفة بتشكيل الحكومة المقبلة


"يونيفيل": نواصل مهامنا في جنوب لبنان حتى انتهاء ولايتنا بنهاية العام الجاري