ما يدور حالياً من حراك سياسي أميركي-"إسرائيلي" في المنطقة ليس الأول من نوعه، فعلى مدى السنوات العشر الماضية شهدت المنطقة حراكاً أوسع وأعرض من الحالي، ولم يسفر هذا الحراك عن أي تسوية في المنطقة.
من جانب ثان، فإن المهل الزمنية السابقة، بدءاً من وعود الرئيس كلينتون بإنشاء الدولة الفلسطينية، مروراً بالوعود الكثيرة للرئيس بوش الابن، وصولاً إلى الرئيس أوباما، الذي رضخ للشروط" الإسرائيلية" بالنسبة للاستيطان و تراجعه عن مواقفه التي وعد بتنفيذها فيما يتعلق باستئناف المفاوضات، كل ذلك يشير إلى أن المهل الزمنية القادمة لن تتجاوز الحدود السابقة، فالمدد الزمنية ( ليست مقدسة بالنسبة للكيان) ، كما أعلن عن ذلك اسحق رابين في حينه، ما يعني أن المدد الزمنية تستعمل في المفهومين الأميركي و"الاسرائيلي" لجر الجانبين الفلسطيني والعربي للإقدام على خطوات سياسية، وفي الراهن تتمثل هذه الخطوات في إعادة المفاوضات الفلسطينية-" الاسرائيلية".
على صعيد آخر ،تفترض الخطة الأميركية، أن هناك وقفاً" إسرائيلياً" للاستيطان، بعد القرار الذي أصدرته حكومة نتنياهو، وهذا يجافي حقيقة الوقائع الثابتة على الأرض، والقائلة إن الاستيطان"الاسرائيلي" لم يتوقف للحظة واحدة ، لافي الضفة الغربية، ولافي القدس التي استثنتها"اسرائيل" وفقاً للقرار .
الولايات المتحدة تريد مفاوضات"اسرائيلية" -فلسطينية ،كنوع من رد الاعتبار للرئيس أوباما وإدارته، بحيث لايبدو تراجعه عن وعوده كظاهرة أبرز في الشرق الأوسط، فوجود المفاوضات مؤشر على وجود حركة سياسية في المنطقة كبديل عن الركود الحالي، وهي أيضاً طريقة التفافية على المطلب الفلسطيني بوقف الاستيطان كلياً في الضفةالغربية ومدينة القدس.
ففي ظل وجود المفاوضات، ستظل عملية الاستيطان قائمة، لأن حكومة نتنياهو اليمينية الفاشلة قامت في أحد اشتراطات تأليفها والمشاركة فيها، على وجود الاستيطان، ووقفه سيعني انهيار هذه الحكومة والذهاب إلى حل الانتخابات المبكرة، وهذا ما لايريده نتنياهو بالطبع.
الولايات المتحدة تريد مفاوضات بين الجانبين الفلسطيني و" الاسرائيلي" كمدخل لإيجاد مفاوضات فلسطينية عربية في القريب العاجل، فالمبادرة العربية التي مضى على إطلاقها ثماني سنوات، والتي دعت واشنطن إلى تطبيقها في ظل اعتراف حكومة أولمرت السابقة" بأن تبقى على الطاولة إلى الأبد"، بحاجة إلى تفعيل حركة سياسية من حولها، وبذلك تضرب واشنطن عصفورين بحجر واحد، تحريك عملية التسوية على الصعيد العربي-" الاسرائيلي" من جهة، ومن جهة ثانية إمكان ممارسة الدول العربية لضغوطاتها على الفلسطينيين، في استمرار المفاوضات أولاً، وفي القبول بصفقات تسوية حول موضوع اللاجئين بشكل أساسي ثانياً، والذي تتخذ منه الولايات المتحدة و "اسرائيل" موقفاً مشتركاً عنوانه، رفض عودتهم إلى الديار.
أما"اسرائيل" التي تمتلك موقفاً واضحاً لالبس فيه من جميع قضايا التسوية، فتتمثل في لاءات خمس للحقوق الوطنية الفلسطينية، تشكل قاسماً مشتركاً بين كافة ألوان الطيف السياسي"الاسرائيلي" تريد المفاوضات لاعتبارات داخلية وأخرى على صعيد المنطقة، ولاعتبارات دولية أيضاً، داخلية لاستعمال المفاوضات كغطاء لممارسة سياسة الاستيطان القائمة ولسياسة الأمر الواقع التي تنتهجها منذ عام1967 في الأراضي المحتلة حتى اللحظة، والكنيست أقر قانوناً يفرض على أي حكومة وقبل القيام بخطوات تسوية ،اللجوء إلى استفتاء الشارع" الاسرائيلي" بما يعني إيجاد صعوبات حقيقية أمام الحكومات في ظل التحول المستمر في هذا الشارع نحو اليمين.
وعلى صعيد المنطقة، تريد"اسرائيل" استئناف المفاوضات مع الفلسطينيين لإيجاد مدخل للتفاوض مع الدول العربية، ولتنفيذ سياساتها ، فيما يتعلق بكل رؤيتها لقضايا المنطقة، أما ما ستكسبه على الصعيد الدولي من إيجاد هذه المفاوضات ، فهو امتصاص الضغوط الدولية التي زادت حدتها في الآونة الأخيرة،والمفاوضات السياسية هي تغطية لكل الجرائم التي ارتكبتها في العدوان على غزة وجرائمها الحالية، وستتوقف ملاحقة قادتها السياسيين والعسكريين من قبل المحاكم الدولية،أما مضامين المفاوضات فهي عبثية، بلا شك.
*حسن حسن