ما الذي يخفيه الجيش الإسرائيلي عن وسائل الإعلام؟
الخميس ٢٩ يناير ٢٠٠٩
٠٣:١٨ بتوقيت غرينتش
ما الذي يخفيه الجيش في "الرصاص المصهور"؟ لماذا لا يجري المقاتلون والضباط مقابلات صحافية؟ لماذا هو نفسه فقط الذي يظهر على الشاشات؟ هل يجدر به السيطرة على الرواية التي هو بنفسه كتبها لنفسه؟ لماذا لا يوجد للمراسلين الإسرائيليين تصريح بالدخول إلى مناطق القتال؟ لماذا لا يمكن تقريباً حتى إجراء مقابلات مع جنود جرحى؟ أو حتى جنود في التدريب؟ لماذا أغلق الجيش نفسه كليا حيال أي حصول على معلومة أو نشرها؟
ترتسم للحرب ضد الإرهاب الذي يهدد مليون مواطن في إسرائيل صورة مغايرة في إسرائيل والعالم. صورة مشوهة.
على ما يبدو، يرى الناطق باسم الجيش الإسرائيلي نفسه خلال عملية غزة رئيس تحرير لكل وسائل الإعلام الإسرائيلية والعالمية. ويعتقد العميد آفي بنياهو أن باستطاعته السيطرة على كل المعلومات التي تخرج من ساحة القتال وعلى كل أقوال المشاركين فيها بشكل مباشر وغير مباشر.
إلا أن الناطق باسم الجيش مخطئ. هو مخطئ في فهم عالم الإعلام في العصر المفتوح، ومخطئ في فهم الضرر الذي يتسبب به هو نفسه للجيش ولدولة إسرائيل. المعلومات ستخرج بطريقة أو بأخرى. الصور والأصوات تصل من غزة إلى العالم، وهي صور قاسية. أولاد قتلى، عوائل مدفونة تحت الركام وسكان يعانون.
حتى أصوات الفلسطينيين الذين يكررون مرة بعد أخرى مقولة أن الجيش يقاتلهم هو وليس حماس تسمع في كل العالم. فقط المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي يعتقد أنه يُسكت هذه الأصوات. لكنه عملياً يتسبب لإسرائيل بضرر معنوي وضغوط دولية لوقف العملية من خلال عدم سماحه لوسائل الإعلام بتصوير ساحة المعركة وإتاحة الفرصة للعالم ليشاهد ما الذي يواجهه جنود الجيش في الميدان.
التوازن المطلوب في المعركة الحالية هو توازن في الحقائق والمشاهد الحقيقية من ساحة المعركة. لا يمكن الإكتفاء بأقوال لضابط كبير مجهول الهوية على شاكلة حرب الأيام الستة، يعلن فيها أننا وجهنا ضربة قاسية لحماس أو أنا "أبدنا لها كتائب كاملة". في العصر الحديث، إذا لم تر الضربة العسكرية لحماس ولبناها التحتية الإرهابية، تبقى فقط مشاهد الجرحى المدنيين في المستشفيات، وهذه هي الصورة التي تظهر فيها إسرائيل وجيشها في العالم.
الناطق باسم الجيش لا يسيطر على المعلومات، وإنما ببساطة يمارس عليها رقابة انطلاقا من رؤية خاطئة. في العصر الحديث لم يعد ممكنا حجز المعلومات أو تجميدها. يمكنك فقط أن تواجهه، وهذا ما يفعله الجيش الإسرائيلي من خلال الناطق باسمه. ذلك أن المواجهة تتأتى من خلال المبادرة إلى نقل المعلومات والتعاون وإعطاء الحرية للصحافيين، حتى في الحرب.
لو سمح الناطق باسم الجيش بتصوير نتائج المعارك في الوقت الحقيقي، لكان يمكن إظهار قوات حماس المسلحة التي تعرضت للإستهداف وليس فقط المدنيين المستهدفين. الصور الجوية المعقمة التي ينشرها سلاح الجو لا تظهر ماهية الهدف الذي استهدف وماهية الضرر الذي كان يمكن أن يتأتى منه.
إلا أن الناطق باسم الجيش شن حملة على وسائل الإعلام الإسرائيلية من دون أن يفرق بين آفة التسريبات من حرب لبنان الثانية وبين وظيفته كناطق. يفترض بلسان الجيش الإسرائيلي أن يؤّمن المعلومات للأهالي والعوائل والمقاتلين في النظامي والإحتياط وليس سد أفواه الجميع.
إن الضرر الذي يلحق بإسرائيل اليوم بسبب سياسة الناطق باسم الجيش لا يقتصر فقط على الجانب الإعلامي والمعنوي. بل إنه قد يتحول إلى ضرر عملاني عندما تقرر دول العالم أن مشاهد استهداف المدنيين هي أساس الحرب وهدفها، وعندما يقرر القضاء الدولي محاكمة ضباط الجيش بسبب أعمالهم التي تسمى "جرائم حرب". حينئذ ستضطر إسرائيل إلى وقف عملية محقة للدفاع عن مواطنيها بسبب سياسة إعلامية عديمة المسؤولية.
ترجمة من مقال في صحيفة هآرتس الاسرائيلية بقلم إيتي لاندسبرغ