إسرائيل والتصعيد والتفاوض
الأربعاء ٢٤ ديسمبر ٢٠٠٨
١١:٣٣ بتوقيت غرينتش
تواصلت الخطوات العسكرية التي يتخذها الجيش الإسرائيلي استعدادا لعملية واسعة ضد قطاع غزة على الرغم من التحرك المصري الذي تجاوبت معه قيادة حماس بتعليق قصف الصواريخ لمدة 24 ساعة.
في حين تابعت حكومة اولمرت تحركها الخارجي لتنظيم دعم ومشاركات لمصلحة خطتها السياسية والإعلامية في مواكبة حملة عسكرية، يجمع القادة العسكريون على أنها لن تكون نزهة ولن تنتهي بسرعة، خلافا لمزاعم وزير الدفاع إيهود باراك.
فقد أبرز الإعلام الإسرائيلي تصريحات رئيس الشاباك يوفال ديسكين، حول وجود صواريخ بحوزة حركة حماس قادرة على الوصول إلى مشارف مدينة بئر السبع، التي تبعد 40 كيلومتر تقريبا عن قطاع غزة.
وقالت صحيفة يديعوت أحرونوت إن واحدا من بين كل ثمانية إسرائيليين، أي 800 ألف إسرائيلي، أصبحوا في مدى صواريخ القسام، ونشرت أسماء المستعمرات والبلدات والمواقع الإستراتيجية التي يمكن لحماس أن تطالها، ومنها كما ذكرت المعلومات الصحافية "مركز الأبحاث النووية" في "ناحال شوريك" وقاعدة سلاح الجو في "حتسور".
في مضمون الموقف الإسرائيلي من التهدئة تكمن التناقضات الفعلية، التي ذهبت باتفاق حزيران بعد تحايل حكومة أولمرت وتورط الوسيط المصري بالتغطية السياسية الكاملة للموقف الإسرائيلي.
أولا: ترفض إسرائيل مطلب حماس بشمول التهدئة للضفة الغربية وقطاع غزة معا، وهي تحول بذلك دون الاستثمار على توازن الردع الذي فرضته المقاومة في القطاع.
هذا الرفض الإسرائيلي ناتج عن قرار أميركي – إسرائيلي متخذ بمنع حركة حماس وفصائل المقاومة من تحقيق مكانة المرجعية الوطنية الفلسطينية، التي تستطيع أن تفرض على الاحتلال قبول قواعد جديدة وتقديم تنازلات لمصلحة الشعب الفلسطيني في الضفة، لم يتمكن الرئيس الفلسطيني وفريقه من جلبها، على الرغم من كل ما قدمه من تنازلات في ركاب الخطة الأميركية – الإسرائيلية للمسار الفلسطيني.
كما إن إسرائيل تستثمر على الانقسام السياسي الفلسطيني، وهي تريد تكريسه انقساما جغرافيا وشعبيا بين الضفة والقطاع. ويعتبر القادة الإسرائيليون أن كل تسليم بمطالب حماس في الضفة هو تغذية لمنطق المقاومة ونسف للواقع السياسي الذي تعبر عنه علاقة التعاون الأمني مع فريق محمود عباس وسلام فياض.
محاولة الحد من تنامي خلايا المقاومة في الضفة الغربية تشكل هاجسا جديا للاحتلال منذ الانتخابات التشريعية، التي أظهرت ثقل حماس الحاسم على الصعيد الجماهيري، والتي شكلت نقطة الانطلاق في خطة استنزاف لم تفلح حتى الساعة في الحد من تأثير الحركة شعبيا، بل على العكس تشير التقارير الإسرائيلية إلى أن الضفة الغربية قد تشهد انتفاضة على فريق عباس في حال تدهور الوضع نحو الأسوأ في القطاع. ويبدي القادة الصهاينة حيرة كبيرة في هذا المجال، حيث لا يمكنهم الاستغناء عن عباس، ولا يمكنهم الاعتماد عليه في أدوار جدية داخل الوضع الفلسطيني، وهو يبدو وكأنه ينتظر من إسرائيل حسم الأمور ليتفرغ لقطف النتائج.
إسرائيل بين خيارين: الذهاب إلى قتال قد يشعل انتفاضة ثالثة ومسلحة على الأرجح في الضفة الغربية، أو قبول شروط حماس المتعلقة بفتح المعابر ورفع الحواجز ووقف المداهمات والاغتيالات في الضفة الغربية، والحالة الوحيدة التي يراهن الإسرائيليون فيها على تكريس الأمر الواقع في الضفة هي نجاحهم في كسب حرب غزة التي قد تستغرق ستة أشهر، وحيث لن يطول انتظار نهوض المقاومة في الضفة والقطاع معا، من جديد كما يعترف الخبراء الإسرائيليون.
ثانيا: انعكاس التفاوض حول التهدئة مع حماس على توازن القوى الفلسطيني الداخلي، وحيث تريد تل أبيب تحقيق غايتين سياسيتين في أي آلية للتفاوض وفي أي اتفاق، وهما:
- الحفاظ على مناخ الانقسام السياسي الفلسطيني وعدم السماح بتقدم المساعي الهادفة لتطويقه واعتبار الاستحقاق المقبل، مع نهاية ولاية الرئيس الفلسطيني مطلع الشهر القادم، فرصة سانحة لا بد من استغلالها لمفاقمة أجواء الاختلاف السياسي الداخلي وإطلاق حالة من الفراغ في الهياكل المعترف بها، والمتنازع في شرعيتها فلسطينيا، ومن المعلوم أن إسرائيل والولايات المتحدة رمتا بثقلهما لتنظيم محاولة انقلاب دحلان – دايتون الفاشلة في غزة بهدف إسقاط اتفاق مكة، وهو ما اقتضى تدخلا أميركيا لمنع المملكة السعودية من تحريك أي وساطة جدية للعودة إلى حكومة الوحدة الوطنية ولدفع الرياض إلى مواصلة تمويل بناء أجهزة السلطة الفلسطينية المكرسة في الضفة للعمل بتصرف الاحتلال الإسرائيلي.
- تدعيم الدور المصري الذي مارس في وساطته الفلسطينية وفي خطابه السياسي ضغطا ملموسا على المقاومة الفلسطينية عبر الدمج غير البريء بين مفاعيل الحصار على غزة وشروط التفاوض في الحوار الداخلي الفلسطيني، وهذا الأسلوب المصري في الوساطة لاقى استحسانا عند الإسرائيليين لأنه يحقق غايتهم المرجوة، وهو انتهى إلى تخريب الحوار بسبب التعنت المصري في طلب إذعان حماس الكلي أمام شروط عباس، التي يعني الرضوخ لها قبول قواعد التفاوض القاصرة ع