أسباب تفاقم ظاهرة القرصنة في السواحل الصومالية
الإثنين ٢٢ ديسمبر ٢٠٠٨
١١:٥١ بتوقيت غرينتش
هناك مهنة يبدو أنها لا تتأثر بالركود الحالي غير أنه يشترط فيمن يرغب في شغلها أن يكون قادراً على ارتياد البحار التي تكثر فيها أسماك القرش، وعلى التفوق في السرعة على سفن بعض من أقوى الأساطيل البحرية في العالم، والمحافظة على رباطة جأشه في الوقت الذي يفقد فيه الرهائن أعصابهم، وهي مهنة القرصنة البحرية أمام السواحل الصومالية.
وعلى رغم أن هذه المهنة ليست متاحة لأي أحد في الصومال، أو لا يستطيع أي أحد أن يمارسها، فإننا لو أخذنا في اعتبارنا أن لا شيء يأتي بسهولة في هذه الدولة التي تعتبر من أفقر دول العالم على الإطلاق وأقلها استقراراً، وأخذنا في اعتبارنا كذلك شح الوظائف المتاحة على الأرض، وقلة الخيارات أمام الشباب الصومالي، فإننا سندرك أن حياة القرصان على ما فيها من خطورة تبدو أكثر راحة مقارنة بحياة باقي الصوماليين البائسة.
قال لي صلاح علي ساماتر القرصان الذي كان يتحدث إليّ هاتفياً من مدينة إيل التي تعتبر من معاقل القرصنة على سواحل الصومال وقد شابت صوته نبرة فخر واضحة: هل هناك أي مشروع في الصومال يمكن أن يكسب الفرد من ورائه مليون دولار اليوم؟... نحن نستطيع أن نحصل على عدة ملايين من الدولارات من خلال هجوم واحد فقط .
هناك المئات من القراصنة من أمثال ساماتر يجوبون مياه هذه المنطقة، في قوارب مصنوعة من الفايبر جلاس ، وبحوزتهم أسلحة لا تزيد في معظم الأحيان عن بنادق أتوماتيكية متطورة.
وهؤلاء القراصنة أحالوا المياه الواقعة قبالة سواحل شرق أفريقيا إلى واحدة من أخطر الممرات المائية في العالم بالنسبة لسفن الشحن، وناقلات النفط، بل وسفن الركاب التي تسافر بين أوروبا وآسيا. وتقول مصادر المكتب البحري الدولي ومقره لندن في آخر تقدير لها إن هناك ما لا يقل عن 42 سفينة قد تعرضت للاختطاف قبالة سواحل الصومال هذا العام، كما يقدر خبراء في كينيا المجاورة للصومال أن القراصنة الصوماليين حصلوا على 30 مليون دولار تقريباً في صورة فديات. وفي الوقت الذي تمر فيه الصومال بأزمة سياسية، ويتهدد شبح المجاعة شعبها، فإن القراصنة ينفقون الأوراق النقدية من فئة المئة دولار بلا حساب.
ويقول سكان تلك المدن إن القراصنة يبنون البيوت، ويشترون أجهزة الهاتف النقال المتطورة، وسيارات الدفع الرباعي المكيفة، ويمنحون أصدقاءهم وعائلاتهم مئات بل آلاف الدولارات أحياناً، وعلى الرغم من أن أصحاب المحلات يتقاضون أسعاراً أعلى من المعتاد من القراصنة مقابل بيعهم الطعام والقات، فإن القراصنة لا يأبهون لذلك.
يقول أحد هؤلاء القراصنة ويدعى جامع تعليقاً على هذا الأمر: نعم هذا صحيح فقد صرنا أغنياء جداً . ويقول جامع الذي يصف نفسه بأنه قيادي في مجموعة تتخذ من مدينة إيل مقراً لها إنه قد كسب 375 ألف دولار من القرصنة، وأن هذا المبلغ كان كافياً لشراء سيارة دفع رباعي والبدء في تشييد منزل مكون من 6 غرف لعائلته في جاروي العاصمة الإقليمية. ويضيف جامع إن أكبر مبلغ كسبه في يوم واحد هو 92 ألف دولار، وكان يمثل نصيبه من فدية تم تحصيلها مقابل الإفراج عن سفينة شحن يونانية احتجزوها مع طاقمها لمدة 10أسابيع.
ومن المعروف أن القرصنة كانت من الطرق التي يلجأ إليها الصوماليون للحصول على أموال خلال السنوات الماضية ولكنها تفاقمت، وتحولت إلى ظاهرة، بعد أن تدهورت الأحوال في هذا البلد وعجزت حكومته عن السيطرة على مجريات الأمور.
يوضح سايروس مودي من المكتب البحري الدولي ذلك بقوله: إن الأوضاع السوسيو- اقتصادية في الصومال سيئة جداً في الوقت الراهن وهذا من ضمن الأسباب التي دفعت القراصنة لاختطاف السفن .
وقد اجتذب القراصنة اهتمام العالم عندما اختطفوا في شهر سبتمبر الماضي سفينة أوكرانية تنقل دبابات وقواذف قنابل، وغيرها من أنواع الأسلحة التي كانت متوجهة إلى جنوب السودان ـ حسبما أفادت وكالات الأنباء. ولكن عمليتهم الأكثر جرأة كانت هي اختطاف ناقلة نفط سعودية محملة بما قيمته 100 مليون دولار من النفط الخام واحتجازها مع السفينة الأوكرانية.
ويُشار إلى أن الولايات المتحدة وحلف الناتو قد نشرا سفناً من أجل حراسة المنطقة، وأن الصين قد أعلنت يوم أمس أنها سترسل أسطولاً للانضمام لهذا الجهد.
ومعظم القراصنة بحارة سابقون يقولون إنهم يمارسون القرصنة انتقاماً من الدول الغنية التي مارست عمليات الصيد غير القانوني لسنوات، كما كانت تلقي بالنفايات في المياه الإقليمية الصومالية. على الرغم من تلك الإدعاءات، فإن معظم أموال الفديات تذهب إلى جيوب القراصنة ولا يستفيد منها الصيادون السابقون شيئاً. وتقول السيدة بشارة سيد أحمد ، وهي ربة منزل في إيل : إن القراصنة بعد أن يحصلوا على أموال الفدية لا يفيدون هذه المدينة منها بشيء، بل يذهبون إلى مدن أخرى لإنفاقها... و أطفالنا عندما يسمعون أن البحارة قد حصلوا على فدية يحلمون بأن يصبحوا قراصنة عندما يكبرون . ويقول مصطفى محمد عبدي، وهو سائق سيارة أجرة