ليبرمان عصا نتنياهو
بقلم : صلاح صبحية
من واشنطن إلى شرم الشيخ إلى القدس تنتقل جلسات المفاوضات الفلسطينية
الصهيونية التي ما زالت مهددة بالتوقف بسبب عمليات الاستيطان المستمرة
وعدم عزم الصهاينة على اتخاذ قرار بتمديد تجميد البناء في المستوطنات
لفترة لا تتجاوز الأربعة أشهر جديدة ، وهذا التجميد الذي لم يسر ِ على
أرض الواقع أصلاً ما زال المفاوض الفلسطيني يطلبه حثيثاً فلا يحصل عليه ،
وما زال مطلب التجميد للبناء في المستوطنات العصا التي يلوح بها المفاوض
الفلسطيني في وجه العدّو الصهيوني والأمريكي للخروج من المفاوضات أن لم
يتم تمديده ، وفي خضم لعبة التجميد هذه يخرج ليبرمان وزير خارجية العدّو
ليؤكد على وجوب اعتراف المفاوض الفلسطيني بيهودية الكيان الصهيوني
وملوّحاً بطرد الفلسطينيين من أرضهم المحتلة عام 1948 والذي يأتي في ظل
سياسة هدم وتدمير البيوت الفلسطينية في إنحاء فلسطين المحتلة عام 1948
وكأنّ حرب 1948 لم تضع أوزارها بعد ، وما يطالب به ليبرمان ليس بجديد فهو
عصا نتنياهو في وجه المفاوض الفلسطيني ، لكنه محصلة طبيعية لخطأ وقع فيه
المفاوض الفلسطيني والقيادة الفلسطينية عموماً وهو طرح حل الدولتين ،
دولتين لشعبين ، دولة فلسطينية لشعبها الفلسطيني ودولة يهودية لشعبها
اليهودي ، وما دام الفلسطيني قبل بحل الدولتين لشعبين فمن المفروض عليه
أن يقبل بيهودية دولة اليهود ، بل إزداد المفاوض الفلسطيني الوقوع في
الخطأ وهو يصرّ على بحث موضوع الحدود والأمن أولاً، حدود من ، حدود
الدولة الفلسطينية أم حدود الدولة اليهودية ، وفي تحديد حدود الدولتين
يكون المفاوض الفلسطيني قد أكد على تنازله التاريخي عن الأراضي
الفلسطينية المحتلة عام 1948، وهذا التنازل يؤدي إلى شطب حق عودة
اللاجئين الفلسطينيين إلى أراضيهم وممتلكاتهم التي أخرجوا منها عام 1948
بل وأنّ هذا التنازل الذي يسعى إليه العدّو الصهيوني يؤدي إلى قيام هذا
العدّو بطرد الفلسطينيين الذين مازالوا يقيمون على أراضيهم الفلسطينية
المحتلة عام 1948 ، حيث أنّ هذه الأراضي لم تعد أراض ٍ فلسطينية وإنما
أصبحت أراض ٍ يهودية ، وأنّ الدولة اليهودية هي دولة ( للشعب اليهودي )
وليست دولة لكل مواطنيها فلا يحق لغير اليهودي أن يقيم عليها إلا بموافقة
حكومة تلك الدولة وهذا حق طبيعي من حقوق السيادة لأية دولة كانت .
ومن هنا كان على المفاوض الفلسطيني أن يمارس لعبة العدّو الصهيوني في المفاوضات ، فالجانب الصهيوني جمع كل قواه في معركة التفاوض من نتنياهو
إلى بيريز إلى باراك إلى ليفني إلى ليبرمان إلى كافة الأحزاب الدينية
التي تؤكد جميعاً على يهودية الدولة وعلى ترحيل الفلسطينيين من أراضي
الدولة اليهوية ، بينما وجدنا المفاوض الفلسطيني يشتت قواه ويخلق حالة من
النزاع الداخلي الفلسطيني ليس على مضمون المفاوضات وحسب وإنما على الذهاب
إلى المفاوضات في ظل الواقع الفلسطيني السيء على الأرض ، فالمفاوض
الفلسطيني جلس على طاولة المفاوضات وهو مكشوف وعارٍ من كل شيء ، وراح
يخوض معركة خاسرة بكل أبعادها ، وإن استطاع أن يصمد أمام المفاوض
الصهيوني ويصل إلى نهاية المفاوضات دون أن يخسر شيئاً ، إلا أنه في
الحقيقة ما دام موجوداً على طاولة المفاوضات تحت الضغط الأمريكي والعربي
فأنه يكون الطرف الأضعف وعلى الطرف الأضعف أن يخرج من الحلقة خاسراً كل
شيء .
في خطابه في واشنطن أكد نتنياهو أنه يقوم بعملية تنازل كبيرة
جداً فيما إذا وافق على قيام دولتهم وفق مفهومه لهذه الدولة ، والسبب في
ذلك أنّ المفاوض الصهيوني أياً كان ينطلق في مفاوضاته من أنّ أراضي الضفة
الفلسطينية أراض ٍ متنازع عليها وليست أراض ٍ محتلة وهو بذلك أن تخلى عن
جزء منها للفلسطينيين فإنما يعدّ ذلك تنازلاً منه ، والفلسطيني قبل بهذا
المفهوم لوضع أراضي الضفة الفلسطينية ، فترسيم الحدود لا يكون إلا على
أراض ٍ متنازع عليها بين طرفين وهذا ما يعمل العدّو على تحقيقه من خلال
بناء المستوطنات وإقامة جدار الفصل العنصري واعتبار القدس الكبرى جزء من
الدولة اليهودية وهي العاصمة الأبدية لتلك الدولة كما هو التأكيد على
تبادل الأراضي بين الجانبين بما يخدم عدم التخلي عن المستوطنات الكبرى ،
فهل فطن المفاوض الفلسطيني إلى ذلك كله وأعاد الاعتبار لحقيقة وجوده في
المفاوضات وأصرّ بادىء ذي بدء على أن يعترف الجانب الصهيوني بأنّ أراضي
الضفة الفلسطينية هي أراض ٍ محتلة حسبما أقره مجلس الأمن في قراره 242
وقراره 338 اللذين يؤكدان على وجوب انسحاب قوات الاحتلال من الأراضي
المحتلة في حزيران 1967، أم أننا قبلنا أن تكون مرجعية المفاوضات فقط
البيان الأمريكي الذي يؤكد على وقف العمليات الاستفزازية مع الضغط
العربي الممارس علينا بأن نقبل كل ما يعرض علينا كأن لا حقوق لنا ، وألم
يحن الوقت للمفاوض الفلسطيني أن يأخذ في اعتباره كل رأي فلسطيني بخصوص
المفاوضات ، فربما يأتي رأيٌ من أبله أو من رجل فقير معدوم أو من طفل
نبيه فينقذنا مما نحن فيه ،كما فعل ذلك الطفل مع الأمبراطور الذي كان
عارياً والذي وقع ضحية محتالان فسرقا أموال الدولة وعريّا الأمبراطور من
ملابسه حتى لم يجرؤ أحد على قول أن الأمبراطور عار ٍ إلا طفل صغير ملك
الجرأة فصاح بأعلى صوته أنّ الأمبراطور عار ٍ لا يلبس شيئاً فإذا بكل
الشعب يردد وراءه ( الأمبراطور عار ٍ لا يلبس شيئاً ) فانتبه الأمبراطور
إلى حقيقته العارية وسارع بالتواري عن الأنظار ، فمتى ينتبه المفاوض
الفلسطيني إلى وجوده العاري على طاولة المفاوضات ويعود إلى أبناء شعبه
ليقوى بهم فكما يقولون في الأمثال ( الثوب العيري ما بدفي ) .
وعلى المفاوض الفلسطيني أن يدرك جيداً أنّ معركة المفاوضات ليست معركة
سهلة فهي أقسى ضراوة من معركة عسكرية وهو كمن ركب سفينة وانتهى وقودها
وسط البحر ، فإذا به أمام احتمالات ثلاثة ، الاحتمال أن يبقى صامداً
بالسفينة على سطح البحر دون أن يخسر شيئاً ، والاحتمال الثاني أن تغرق به
السفينة إلى قاع البحر ويخسر كل شيء ، والاحتمال الثالث أن يتمكن من
الوصول إلى شاطىء البحر بأقل الخسائر الممكنة ، ونحن نتمنى أن يصل
المفاوض الفلسطيني إلى شاطىء البحر وقد حقق مشروعه الوطني الفلسطيني بأقل
الخسائر الممكنة ، وذلك لن يتحقق إلا إذا جمع كل الطيف الفلسطيني حوله
وأخذ بكل الآراء المطروحة ، فالقضية قضية الشعب الفلسطيني كله وليست قضية
" فتح " أو "حماس " أو أي تنظيم آخر .