وصف خطيب صلاة الجمعة في منطقة الدراز بالبحرين الشيخ عيسى احمد قاسم يوم امس الجمعة، الوضع السياسي في بلاده بالمؤلم والمحزن والمفجع.
جاء ذلك في اول خطبة للشيخ قاسم منذ الحملة الامنية التي بدات في 13 اب/اغسطس 2010، وبعد عودته الى البحرين بعد انتهاء شهر رمضان المبارك.
ونقل موقع "الوسط" البحريني اليوم السبت، عن الشيخ قاسم قوله: "ان ما صار اليه وضع الساحة المحلية مؤلم، موجع، مفزع، وفي التقدير الدقيق انه لا يؤدي الى صلاح وطن ولا مصلحة حكومة ولا شعب، والبحرين ليس فيها صراع على الحكم، ولا توجد منازعة على اصل السلطة، وليس هناك استهداف للصراع من اجل الصراع فضلا عن ركوب مراكب صعبة وخطيرة في غمار الصراع".
واضاف: "هناك قضايا وملفات معروفة مشهورة يدور حولها خلاف، وتتسبب في مشاكل متعددة، وتثير الصداع الحاد لهذا الوطن وكل من فيه، وتعرقل مسيرة التوافق وتنحرف بها بدرجات قد تكبر وتخطر وتحدث هزات متتالية".
واوضح: "ما نتمناه الى هذا الوطن ونسعى اليه ان يكون وطن عدل ومحبة بلا ظلم ولا عنف ولا مواجهات. والحلول الامنية المتشددة والموغلة في التشدد لا توصل الى هذا الهدف ولا تقع معه على طريق، وانما تبتعد بالمسيرة عنه الى مسافات ومسافات، وتتسبب في المزيد من التدهور والتفكك وتعمق الجراح وتوسع الفجوة وتزيد من الشروخ وكل ذلك مما لا يتمناه مخلص لوطنه".
واردف قائلا: "التشدد الامني ليس حلا، وانما هو تعقيد لمسالة الحل وتصعيد للازمة وايقاد للنار، قد يوجد ما يسمى مجازا باسم الحل الامني "ولو من باب تسمية الضد باسم ضده"، هدوءا سطحيا وقتيا، كما في التجارب التي استعمل فيها هذا الخيار في اكثر من بلد "في بعض حالاته"، ولكنه لا يمثل حلا جذريا ولا عادلا مع استهدافه الاسكات على كل حال امام كل الاخطاء التي قد تقع فيها هذه الحكومة او تلك، وفتح الباب لاي سياسية وان كانت متجاوزة، وكثيرا ما يحدث هذا النوع من الحل مضاعفات خطيرة عانت منها بلدان كثيرة، ويحطم اوطانا بكاملها على المدى القصير او غير القصير".
وتابع: "لا نتمنى لهذا البلد الحبيب هذا النوع من الحلول ولا نتمنى له عنفا بما يستتبعه هذا النوع من الحل والعنف من شرور... ولو جاءت خطوة اصلاحية كبرى مكان الحل الامني لتعيد الوضع كله وبكل اطرافه الى حالة من الصحة والعافية، والتفاهم والانسجام، وتفتح فرصة سانحة لرشد عام، ياخذ بكل الجهود على طريق بناء الوطن وتسوية المشكلات. للاسلوب الامني المتشدد نتائج، وللاصلاح الفعلي نتائج، ولا ينبغي لاحد ان يساوي بين نتائجهما".
وقال قاسم: "قد يذهب البعض الى ان الاصلاح يغري بطلب المزيد بل يدفع الى التجاوز عن الحد المعقول في المطالبات ويفتح باب الاستغلال والاثارة بعد الاثارة والتحريض على النظام، ولكن الوجه الصحيح هو ان الاستمرار في عملية الاصلاح وبالصورة التي تراعي الواقع يجب ان يكون من هدف الجميع، واما مسالة الاستغلال والتحريض فتمتنع على مريدها (لو قدر وجوده)، في اجواء الرضا والثقة التي يوفرها شعور المواطن بالاستجابة الى ضروراته وحاجاته، والاهتمام به، واحترامه في امر دينه ودنياه".
واضاف: "انا لا استطيع ولا غيري يستطيع ان يقنع من يرى اهتمام الحكومة به وتقديرها له وعدلها معه، ومن يرى مشاريعها في خدمته بان يحرك ضدها يده او يثير في وجهها المشاكل، الناس يكفرون بمثل هذه الدعوة اذا كانت الاجواء السائدة تنال منهم رضا، اذا احس الناس بان اي حكومة تحترم دينهم، وتهتم بدنياهم، وتعيش مشاكلهم، وترعى مصالحهم، فان يدهم لا تكون الا معها لا عليها، ولن تبخس كلمتهم حقها. واذا شذ القليل فان الكثرة الكاثرة لا تكون الا كذلك".
واوضح: "هناك اوضاع لا تفيد معها تهدئة الناس ومحاولة اقناعهم لشدة اثارتها، وهناك اوضاع لا يجدي معها تحفيز ولا تحريض، وعلينا جميعا الا نحرض من جهة اخمادا للفتنة، ولا نخلق اوضاعا من جهة اخرى لا تفيد معها تهدئة ولا تقبل اثارها الاخماد".
وبين ان "مصلحة كل الاطراف في الكف عن هذا وذاك، والرجوع الى ما يوفر حلا جذريا دائما لاصلاح جدي وحوار لا يغني عنه سلاح، والسلاح يعجز، والقوة والبطش لا يمكن ان تستمر في اي بلد من البلدان، والحلول السلمية هي الحلول الاستراتيجية الدائمة التي تخلق اجواء المحبة والوئام، وتعطي لاي وطن فرصة الانطلاق بقوة للبناء والاعمار".
وتابع: "انصح ما ينصح به في هذا المقام، وينبغي التاكيد عليه، هو التراجع عن الحل الامني ومستلزماته واجوائه المتوترة ومضاعفاته المنذرة ونتائجه الوخيمة الى ما امر الله عز وجل به من الاحتكام الى العقل والدين، واعمال الحكمة، وتغليب مصلحة الوطن، والفيء الى لغة التفاهم، والاخذ بمنطق الاصلاح الذي يغسل القلوب ويزيل العوالق، وان يعود كل موقوف الى بيته، لا الى تجدد الاحداث ويستمر الصراع، انما ليكون التلاقي على صورة توافقية واحدة ينجو بها هذا الوطن من شر الفتن، ويكون على الطريق الذي يختاره له كل محب مخلص واع لوطنه".
واردف: "تشتد خطورة الحل الامني، وتتفاقم آثاره، وتتعمق جراحاته، ويعصف بالامن (بدل ان يعالج الامن)، على المدى القصير والطويل، ويهدم فرص التلاقي، وتستنكره السماء والارض عندما يدخل فيه استباحة الاعراض والحرمات، ولا تبقى امامه حدود، وليس معه تحفظات، وان اعتباره فوق كل اعتبار، واذا ساد هذا التوسع في معنى الحل الامني في الجماعات البدائية وعند من لا دين له ولا اعراف انسانية، فانه لا يسوغ من اي حكومة مسلمة وفي بلد مسلم يؤمن بحرمات الله ويشعر بكرامة الانسان ويعيش اعرافا دينية وانسانية راقية".
وقال: "كثيرا ما يثار السؤال عن مسؤولية الخطاب الديني عند اشتداد الازمات السياسية والاجتماعية وفي حالات الصراع. ومن مسؤولية الخطاب الديني ان يقول عن الظلم بانه ظلم ويدينه، وعن رد الفعل المتجاوز بانه متجاوز ويرفضه، وان يصرف عن العنف ما استطاع، ويدعو الى الحكمة والحوار، وليس على الخطاب الديني وهو لا يملك وسائل الرفض الكافية ولا فرصة التوفيق ان يكلف بهذه المهمة وهو على هذا الحال، وان يتابع هذا الجهاز الرسمي او ذاك فيما يقول، او يثبت كل ما قد ادعى هنا او هناك، ضد هذا الطرف او ذلك الطرف".
واضاف: "للخطاب الديني علميا وعقلائيا ان يطالب بالدليل الكافي على اي حادثة من الحوادث، واي نسبة من النسب، واي مدعى من المدعيات، ولا يسوغ له ان ينساق وراء اي من الدعاوى، من غير دليل واضح".
وبين "كما يوصي الخطاب بمبدأ العدل والانصاف والمساواة، والناي عن العنف والتعدي، وحفظ مصالح الاوطان، وعدم المساس بالاموال العامة والخاصة، يوصي بحسن الكلمة ونظافتها ولياقتها ورقيها وسلامة الخطاب".
وتابع: "وكلمة اخيرة، ان لسنا مع اي مبرر يوتر الاوضاع، ويزيد في حالة الاحتقان، ويصعب الحل، ويضاعف من حالة الافتراق، ويشعل النار، ويرفع من مستوى خسائر الوطن. ومن هذا المنطلق نفسه ننادي بتوقف الحل الامني وبكل تشديد وتاكيد، والاستبدال عنه سريعا بما تضمن نتائجه الايجابية من الاصلاح، وبالتخلي عن اي دعوة فيها اثارة او تاجيج او الهاب للحماس، من اي طرف من الاطراف، والارتفاع بمستوى الخطاب للجهات والذوات. ومن المنطلق نفسه، ننادي كل العقول المفكرة والقلوب المحبة للسلام ولامن هذا الوطن وانسانه ومصلحته، ان تعمل جاهدة في تطويق الحدث، وتخفيف اللهيب، واطفاء النار، وايقاف التداعيات، والمنع من حالة التدهور، والرجوع بالوضع الى حالته الطبيعية".