14/9/2010 فهمي هويدي fahmyhoweidy.blogspot.com

الجمعة ١٧ سبتمبر ٢٠١٠
١٠:٥٣ بتوقيت غرينتش
حج مبرور وآخر مضروب لم أفهم كيف يمكن ألا يمرر الموظف معاملة إلا بعد دفع «المعلوم» ثم يختفي في أواخر شهر رمضان ليقضي الأيام العشرة الأخيرة من الشهر معتكفًا في المسجد النبوي بالمدينة المنورة. سمعت أكثر من قصة بهذا المعنى، عن موظفين مرتشين جمعوا ما استطاعوا جمعه من خلق الله، ثم ذهبوا بهذا المال لأداء العمرة أو الحج. وكأنه لا علاقة بين الرشوة وبين زيارة بيت الله الحرام.. وأدهشني أن يعد ذلك عملا عاديا ومقبولا.

حج مبرور وآخر مضروب

لم أفهم كيف يمكن ألا يمرر الموظف معاملة إلا بعد دفع «المعلوم» ثم يختفي في أواخر شهر رمضان ليقضي الأيام العشرة الأخيرة من الشهر معتكفًا في المسجد النبوي بالمدينة المنورة.

سمعت أكثر من قصة بهذا المعنى، عن موظفين مرتشين جمعوا ما استطاعوا جمعه من خلق الله، ثم ذهبوا بهذا المال لأداء العمرة أو الحج. وكأنه لا علاقة بين الرشوة وبين زيارة بيت الله الحرام..

وأدهشني أن يعد ذلك عملا عاديا ومقبولا. وأن يحسد الناس العائد من العمرة ويتباركون «بالحاج» الذي تطهر من ذنوبه واغتسل منها وعاد إلى سيرته الأولى.

كنت أعلم أن فقهاءنا أفتوا بأن المرء إذا كان له حق، ولم يكن أمامه من سبيل لقضائه إلا بدفع مبلغ من المال لمن بيده الأمر، فله ذلك بشرطين،

الأول: أن يكون الحق مشروعا وحلالا،

والثاني: ألا يترتب على ذلك أي جور على حقوق الآخرين.

وهذه الحالة تستثنى من الحديث النبوي «لعن الله الراشي والمرتشي». فلا يعد الراشي آثما بحكم الضرورة التي فرضت عليه، ولكن المرتشي تلحقه اللعنة ويظل آثما.

ما أفهمه أن العمرة ليست واجبة. وإذا أداها المرء مرة واحدة في حياته فذلك يكفيه. وإذا لم يستطع أن يؤديها على الإطلاق فلا تثريب عليه.

أما الحج فهو معلق على الاستطاعة، من تبقى له فائض مال بعد توفير احتياجات أهله وبيته، ومكنته ظروفه من أداء الفريضة، فله أن يخرج إلى الحج، وإن لم يتوفر له شيء من ذلك فإنه يصبح معفيا من التكليف، إلا إذا تحسنت ظروفه في وقت لاحق.

ما أعرفه أيضا أن الله طيب لا يقبل إلا طيبا. لأن المرء لا يستطيع دينا ولا عقلا أن يحصل على المال من مصدر غير مشروع لكي يؤدي به عملا مشروعا. ذلك أن المال الحرام يدنس كل فعل ارتبط به أو ترتب عليه. ثم إنه ما قد يجوز في حقوق العباد لا يجوز في حقوق الله.

هذه البديهيات تآكلت في زماننا وأصبح التذكير بها مطلوبا فيما يبدو، الأمر الذي يستدعي عديدا من الأسئلة التي تحاول أن تفسر التشوه الذي طرأ على مدارك عامة المتدينين وأوصل بعضا منهم إلى تلك الحالة البائسة التي صرنا بصددها.

في محاولة التفسير تبرز أمور عدة، منها مثلا أننا نعاني مشكلة فصل الدين عن الأخلاق والمعاملات. وقد حدث ذلك جراء الأجواء التي دأبت على إقناع الناس بأن الدين مكانه دور العبادة فحسب. وأن من أراد أن يتدين فعليه أن يذهب إلى المسجد أو الكنيسة. وإذا ما خرج من أي منهما ينبغي أن ينفصل عن هويته الدينية.

وهذا الفصل الخطر رتب نتيجتين بائستين:

الأولى أنه حول التدين إلى مجموعة من الطقوس والمظاهر، التي تؤدى في أماكن معينة وفي أوقات بذاتها.

والثانية أنه أضعف مرجعية القيم الحاكمة للأخلاق والمعاملات، وحين حدث ذلك لم تعد الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وتم تفريغ الصيام من مضمونه وتحولت العمرة والحج إلى رحلات للسياحة حينا، وللتسوق في أحيان أخرى كثيرة.

إن بعض الناقدين والغامزين كثيرا ما يتحدثون عن مفارقة زيادة مظاهر التدين مع زيادة مظاهر التفلت والفساد والتحرش، ناسين أن ذلك من نتائج التدين المغشوش وإلحاحهم على الفصل بين التدين وبين الأخلاق والمعاملات.

إن الحاصل في شهر رمضان يقدم نموذجا فجا للحالة التي نحن بصددها، ذلك أن الشهر له خصوصية في المفهوم الديني تميزه عن بقية شهور السنة. فهو شهر العبادة والاغتسال الروحي الذي تفتح فيه أبواب الجنة،

حتى قال فيه الحديث النبوي: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»،

لكن خصوصية رمضان الأصلية انتهكت وأهدرت، وأصبح الجهد الإعلامي مكرسا لاصطناع خصوصية أخرى على النقيض تماما من كل ما نعرف عن استحقاقات هذا الشهر وتكاليفه.

يكفي أن أعلى صوت بات يرتفع فيه، صار صوت نجوم السينما ولاعبي كرة القدم، وإن حلقات العبادة اختفت من أيامه المباركة، وحلت محلها مسلسلات التلفزيون.

حين اختلت منظومة القيم السائدة، فإن الشكل والمظهر تقدما على الوظائف والمضامين، وانفصلت المعاني عن المباني، والشواهد على ذلك كثيرة في حياتنا السياسية، ولذلك لا تستغرب أن يصاب التدين بذات الداء.

وحين عمت البلوى لم يترك الفساد مجالا إلا وضربه. وكما أننا صرنا نزور الانتخابات تحت لافتة النزاهة، فإن بعضنا صار يؤدي العمرة بفلوس الرشوة،

وصار لدينا في نهاية المطاف حج مبرور وآخر مضروب.

كلمات دليلية
0% ...

آخرالاخبار

العميد فدوي: وحدة الكلمة سرّ صمود إيران في الحرب العسكرية والاقتصادية


بلومبرغ عن مارك روته الأمين العام للناتو: لا أعتقد أن يخرج أحد من الحرب الروسية الأوكرانية منتصرا


آيزنكوت يتفوق على نتنياهو بـ67 تزكية لتشكيل الحكومة


قوات الاحتلال تداهم منزلاً خلال اقتحام مخيم عسكر الجديد شرق نابلس


الاعلام السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في منطقة نجران للتحذير من خطر محتمل


الرئيس الصهیونی يحدد موعد الإعلان عن اسم الشخصية المكلّفة بتشكيل الحكومة المقبلة


وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو لنيويورك تايمز: لا أخطط لمغادرة منصبي في إدارة ترمب


"يونيفيل": نواصل مهامنا في جنوب لبنان حتى انتهاء ولايتنا بنهاية العام الجاري


رئيس المنظمة الايرانية للحج والزيارة يبدأ زيارة الى السعودية بدعوة من نظيره السعودي


إسلامي: تهديد ترامب بشن هجوم على جبل كلنج دليل على العجز


الأكثر مشاهدة

القناة 13 "الإسرائيلية": هزيمة تاريخية لترامب في انتخابات التجديد النصفي وتداعيات خطيرة على "إسرائيل"


مصادر إعلامية: صفقة ترامب مع روسيا بشأن وقود الديزل تتوقف بسبب انخفاض مخزونات الوقود الأمريكية إلى أدنى مستوى لها منذ 20 عامًا


اعلام ألماني: العثور على وزير الاقتصاد بافاريا أيفانغر ميتا في أحد فنادق برلين


مصادر لبنانية: غارة لطيران العدو الإسرائيلي تستهدف المنطقة الواقعة بين بلدتي مركبا وطلوسة في جنوب لبنان


عراقجي يؤكد على تعزيز العلاقات بين إيران وبولندا


أكسيوس: زعيم الديمقراطيين بمجلس النواب حكيم جيفريز يعلن ترشحه لرئاسة المجلس في رسالة وجهها إلى زملائه


وكالة أنباء كوريا الشمالية: تجربة إطلاق ناجحة لمنظومة صواريخ متطورة للدفاع الجوي


الصحة اليمنية: استشهاد 7 مدنيين بينهم طفلان وإصابة 6 أطفال بجراح من جراء استهداف الطائرات السعودية منزلا غربي تعز


بقائي يرد على تصريحات وزير الخارجية الألماني


مصادر فلسطينية: تجدد المواجهات في بلدة "سلواد" شمال شرق رام الله، والاحتلال يُطلق قنابل الغاز


زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ الأميركي شاك شومر: الحرب على إيران يجب أن تنتهي وسنحاصر ترمب تشريعيا إذا لم يمتثل لإرادة الشعب