رمضان شهر راحة النفس، وواحة الروح، وفرحة الفؤاد، تتجسّد فيه المعاني الإيمانية، وتتحقّق فيه الأخوة الإسلامية، فلا أثرة، ولكن إيثار، ولا غلظة ولكن روح وريحان، لا يعرف فيه المسلم مهما أثاره مثير أو أغضبه مغضب، أو سابّه أحد، أو نال من عِرْضه مغرض، إلا أن يقول: إني صائم.. إني صائم، وكيف لا يردد هذه الكلمات التي لها معنى في النفس، وعمق في القلب وترجمة للإيمان وانتصار على شياطين الإنس والجن، وتحديد لمعالم الشخصية الإسلامية الأخلاقية التي نرجوها؟! يقول رسولنا (ص): "إذا كانت أوّل ليلة من رمضان، صفدت الشياطين، ومردة الجن، وغلقت أبواب النار، فلا يفتح فيها شيء، وفتحت أبواب الجنّة فلا يغلق منها شيء، ونادى مناد من قبل الحق تبارك وتعالى: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر.."، فكيف لا يُقبل المسلم على الخير استجابة لهذا النداء الرباني؟
- فرصة سانحة:
هي فرصة للتعرُّف على خالقك الذي خلق فسوى وقدر فهدى، من خلال تلاوتك لهذا الكتاب الذي أنزل في هذا الشهر الكريم، والذي يستحب تلاوته والإكثار من تدبّره فيه، أصغ السمع إليه وهو يشعرك بسماعك لله وهو يناديك: (فِي أيِّ صُورَةٍ مّا شَاءَ رَكّبَكَ) (الإنفطار/ 8).
ويعرفك هذه الحقيقة التي لا تغيب عن مسلم يقظ: (يَا أيُّهَا الإنسانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ) (الإنشقاق/ 6)، فأسرع إلى التوبة والأوبة إليه حتى نلقاه بوجه نضر.
أسرع الخطى وأنت تسمع هذا النداء؛ فتتعرض لنفحات شهر الجود والكرم والمغفرة والإحسان.
تأمل حواسك: تأمل وتدبر، وفكِّر في خلقك وذاتك وتعقل لتجد كل جزء من أجزائك قد خلقه بديع السماوات والأرض في أحسن تقويم، وجعل كل جزء من هذه الحلقة مناسباً مع الحكمة والوظيفة التي من أجلها خلقت، فعينان وأذنان ولسان وشفتان وأجهزة مختلفة تطابقت كل منها مع وظيفتها، فمن الذي هداها لأداء مهمتها؟ فهذه للسمع، وأخرى للمس، وثالثة للتذوق، ورابعة للبصر، وخامسة للهضم، وسادسة وسابعة، فما أحوج الإنسان لإستعمالها في طاعة ربّه ليحظى بجنّة الرحمن، ويقول: سبحان الذي خلق فسوى وقدر فهدى، فيزداد إيماناً واستقامة.
إنّه الإنسان الذي لولا هذا الكتاب الذي أنزل في هذا الشهر الكريم لضلّ، وما أدرك أن خلقه معجزة في حواسه وأجهزته وتناسقها مع هذا الكون الذي يعيش فيه، ذلك التناسق الذي لو اختلت نسبة واحدة من نسبه في طبيعة الكون أو طبيعة الإنسان لفقد الإتِّصال، ولعجز عن التقاط صوت أو رؤية شيء أو التفكير في أمر، إنّه الله الخالق القادر مبدع الكون وخالق الإنسان (وَفِي أنفُسِكُمْ أفَلا تُبْصِرُونَ) (الذاريات/ 21)، (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) (الطلاق/ 12).
- تذوق الإيمان:
فالتفكّر في ذلك كلّه وأنت صائم يخرجك من إلف العبادة إلى تذوق الإيمان فلا تكون عبادتك لربك تقليداً، فلا تقول كما قالوا: (قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) (الشعراء/ 74).
ولكن تعرّف على ربّك وتأمّل نفسك، وانظر إلى الكون الذي يحيط بك من كل جانب واعقد مقارنة بينك وبينه، واسأل نفسك بسؤال القرآن: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ) (النازعات/ 27-33)، (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (محمّد/ 24).
يسيئ الإنسان إلى نفسه بمعصية ربه، وعلام يخون الأمانة ويعصي خالقه، بل علام يتكبر ويستعلي ويعرض؟ ألا يدعوك هذا التفكر أن تقدر الله حق قدره فترجو رحمته وتخشى عذابه؟ إنّه القرآن الذي نزل في هذا الشهر العظيم، فعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً.
- أعجب العجب:
يقول ابن القيم: أعجب العجب أن تعرف الله ثمّ لا تحبه، وأن تسمع داعيه ثمّ تتأخّر عن الإجابة، وأن تعرف قدر الربح في معاملته ثمّ تعامل غيره، وأن تعرف قدر غضبه ثمّ تتعرّض له، وأن تذوق ألم الوحشة في معصيته ثمّ لا تطلب الأنس بطاعته. أليس من العجيب أن تضيع لحظات في هذا الشهر الكريم دون أن تقتنصها لتزداد قربى إلى الله؟! فإنّ الصائم كما يقول ابن القيم: لا يفعل سيِّئاً وإنّما يترك من أجل معبوده، فيترك محبوبات النفس ولذاتها إيثاراً لمحبة الله ومرضاته، يقول رسول الله (ص): "ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً".
- أحد رجلين:
فأنت أيُّها الأخ المسلم أمام هذا الشهر أحد رجلين كما قال الإمام البنا - يرحمه الله - : الناس رجلان، رجل يفعل ما يفعل من الخير، أو يقول ما يقول من الخير وهو يبتغي بذلك الأجر العاجل والمثوبة الحاضرة من مال يجمع، أو ذكر يرفع، أو جاه بعرض وبطول، أو لقب أو مظهر يصول به ويجول، ورجل يعمل ما يعمل أو يقول ما يقول؛ لأنّه يحب الخير لذاته، ويحترم الحق ويحبه لذاته كذلك، ويعلم أنّ الدنيا لا يستقيم أمرها إلا بالحق والخير، وأنّ الإنسان لا تستقيم إنسانيته كذلك إلا إذا رصد نفسه للحق والخير.
فكن في هذا الشهر الكريم من الصنف الثاني الذي يفعل المأمور ويترك المحظور ويصبر على المقدور، فإذا أنعم عليه شكر وإذا ابتلى صبر وإذا أذنب استغفر، كن ممن ينفق بيمينه ما لا تعلم شماله، تعين الضعيف وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الدهر، تمشى في حاجة المحتاج وتشعر بشعور اليتيم، وتواسي الأرملة، وتعيش مشاعر إخوانك في فلسطين، والعراق، وأفغانستان، والسودان، وإريتريا والصومال، وكل بقعة تنتهك فيها الحرمات والأعراض، أكثر من الدعاء لهؤلاء المجاهدين الذين تهدم بيوتهم فوق رؤوسهم، وتذكر قول صلاح الدين: كيف أضحك والأقصى أسير؟!
- قيام الليل:
قم الليل إلا قليلاً؛ لتكون من الذين قال الله فيهم: (كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * بِالأسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) (الذاريات/ 17-19).
لعل الله أن يأتي بالنصر أو أمر من عنده؛ فيهلك الظالمين من اليهود والأمريكان المعتدين الملاعين، وألح على الله في الدعاء ألا ينتهي هذا الشهر الكريم إلا بالنصر المبين وما ذلك على الله بعزيز.
- خطط شيطانية:
إياك يا أخي المسلم أن تقع في شَرَك شياطين الإنسان والجن الذين يعدون لك خطة شيطانية لإفساد صيامك وإبعادك عن قيام الليل إلى مسلسلات ماجنة وأفلام هابطة، وحلقات مسفّ، فلا تعرف للصيام معنى تربوياً ولا تعبدياً، ولا للقيام الذي قال فيه ربّ العزة: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) (الإسراء/ 79).
فهم يعلمون أنّ شخصية رجل رمضان هي الشخصية المنتصرة وهي المطلوبة شرعاً ليجري الله النصر على أيديها، ولهذا فهم يحولون بينك وبين تحقيقها لأن فيها هلاكهم وهي من بشريات النصر إذا تحققت.
وتدبر هذا القول: "يابن آدم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد؛ فاغتنمني فإني لن أعود إليك إلى يوم القيامة".. فكن من الغانمين فيه لا الغارمين.
جمعة أمين عبدالعزيز
المصدر: موقع البلاغ