عاجل:

6/9/2010 د. مصطفى يوسف اللداوي leddawy@gmail.com

الأحد ١٢ سبتمبر ٢٠١٠
١١:٥٨ بتوقيت غرينتش
د.

د. مصطفى يوسف اللداوي

رحلة العذاب من وإلى غزة

عشرات آلاف الفلسطينيين يتمنون زيارة قطاع غزة، أو العودة إليه للعيش فيه، إذ تبقى غزة على صغر مساحتها، وضيق شريطها، وقسوة الحياة فيها، وصعوبة ظروفها، والمعاناة الشديدة التي يتعرض لها سكانها، أرض الوطن الغالي، التي ولدوا وترعروا فيها، والتي فيها شبوا وتعلموا، في أزقتها الضيقة، وشوارع بلداتها الصغيرة، وقد أجبر بعضهم على مغادرتها، بينما حرم آلافٌ آخرون من العودة إليها، بسبب قيود وإجراءات الاحتلال، ولهم فيها أهلٌ وأحباب، وأخوةٌ وأصدقاء، وذكرياتٌ وأحلام، ولكن حلم العودة إلى غزة تكتنفه صعابٌ وتحديات، وتعترضه عقبات وإشكاليات، إذ أن قدر سكان قطاع غزة أن تكون بوابتهم التاريخية إليه من العالم الخارجي عبر مصر، فهي الدولة العربية الوحيدة التي تحد قطاع غزة، وترتبط به ارتباطاً عضوياً وجغرافياً، ولسكان قطاع غزة مصالح كبيرة في مصر، ومع المصريين، وفي جامعاتها تعلم أبناء القطاع، ومنها تخرج أغلب أجيالها السابقة المتعلمة، أطباءٌ ومهندسون ومحامون وأساتذة وفنيون، الذين كان لهم فضل تعليم ورفعة أبناء القطاع، ويحلم الكثير من سكان قطاع غزة أن يدخلوا مصر، وأن تكون زيارتها سهلة وميسرة، فهي الدولة العربية الأكبر، والجار اللصيق، والعمق الحيوي والطبيعي لقطاع غزة، التي لا يستطيع أحدٌ أن يعزله عنها، أو أن يحرم سكانه من التواصل مع أشقاءهم المصريين والتعاون معهم.

ولكن حلم الوصول إلى قطاع غزة أو مغادرته أمرٌ صعب، وحلمٌ قد أصبح بعيد المنال على الكثير من أهل قطاع غزة، أو الراغبين في زيارته، كما أن مغادرته إلى العالم الخارجي قد أصبحت أمراً أصعب، وغايةً دونها عقباتٌ وصعاب كثيرة، فقد أضحت الطريق من وإلى قطاع غزة قطعة من العذاب، وشئٌ كبيرٌ من الذل والهوان، يضطر أهلنا من قطاع غزه إلى دفعه من كرامتهم وعزتهم وهيبتهم، إنه أشبه ما يكون بسبي بابل، إذ تحتجز السلطات المصرية أغلب العابرين على أرضها إلى قطاع غزة، وتزج بالعديد منهم في قبوٍ قذرٍ في مطار القاهرة الدولي، حيث لا نظافة ولا خدمات، ولا من يسمع إلى شكاوى المحتجزين، ولا من يستجيب إلى طلباتهم، ولا ماء لديهم ولا طعام، وإنما عليهم أن يشتروا من حر مالهم، لأنفسهم وأطفالهم وللشرطة التي تحرسهم، الطعام والشراب والدخان، وبالسعر الذي يفرض عليهم، فلا أحد يقوى على المساومة أو النقاش أو الجدال، فمن يريد أن ياكل فليدفع، ومن ليس معه فلا يلزمه.

في هذا القبو الذي يفتقر إلى أدنى معايير الكرامة الإنسانية، والذي يتناقض تماماً مع مطار القاهرة الدولي، الذي يتيه ببنائه، ويفخر بزينته وزخرفه، وبالخدمات الرائعة ذات النجوم الخمسة التي يقدمها للمسافرين منه، أو العابرين فيه، يجتمع فيه مئات الفلسطينيين مع عشراتٍ آخرين من جنسياتٍ مختلفة، ولكن الصبغة العامة للمحتجزين هم من أبناء غزة، من الرجال والنساء، والشباب والصغار والأطفال، إذ يجتمعون كلهم في مكانٍ واحد، تختلط أنفاسهم، كما يضيق المكان بأجسادهم، وتضج ساحته الضيقة بصراخ وبكاء الأطفال، وهم الذين جاؤوا من أماكن عديدة، كانوا يتمتعون فيها بالحرية، ويزهون بالكرامة، ويتنقلون كيفما شاؤوا من مطارٍ إلى آخر، دون قيودٍ أو عقبات، وكانوا يعتقدون أنهم سيجدون من السلطات المصرية، وهم في طريقهم إلى غزة، كل ترحابٍ، وسيلقون منهم معاملة حسنة تليق بهم كفلسطينيين عرب، عائدين إلى أرضهم ووطنهم، ولكنهم يفاجؤون بأنهم يبقون في قاعة المطار حتى آخر مسافر، بينما جوازات سفرهم محتجزة، إلى أن يأتي بعد ساعتين أو أكثر، شرطيٌ يحمل رزمةً من جوازات السفر، يبدأ بالنداء على الأسماء، ثم يقودهم جميعاً إلى القبو الآثم، ولكن بعد أن تجري سلطات الأمن فرزاً مقيتاً للمسافرين، فتفصل الأم عن أطفالها، وتعزل الأب عن أولاده، وتحتجز الأم دون الأطفال، وأحياناً الأطفال دون الأم، وأمام الدفعة المصري، أو بين يدي ضباط الحدود لا تجدي الدموع، ولا تنفع العبرات، ولا تغير الاستجداءات ولا الدعوات ولا آهات النساء، وصراخ الأطفال، وبكاء الصبية، بل هي قرارتٌ يجب أن تنفذ، وما على رجلُ الأمن إلا أن ينفذها بكل ما تحمل من خشونةٍ ورعونةٍ وقسوة.

وفي الصباح الذي قد يتأخر لأيامٍ عدة، وبعد أن يصل عدد الفلسطينيين المحشورين في القبو إلى المئات، تبدأ عناصر الشرطة في دفع الناس إلى حافلاتٍ خاصة، وتسيرهم ضمن قوافل محروسة، ومواكبة أمنية إلى معبر رفح الحدودي، فيما يشبه عمليات نقل الأسرى والمعتقلين، دون مراعاةٍ لحرارة الجو اللاهبة، أو لطول المسافة ومشقة الطريق، أو لحالة الصبية والأطفال، والشيوخ وكبار السن، وتبدأ رحلة السبي إلى غزة، في ظروفٍ قاسية، وقافلاتٍ غير مريحة، فيقسم المرحلون فيها ألا يعودوا لمثلها من جديد، وألا يغادروا قطاع غزة مرة أخرى، وأن يبقوا في غزة مرابطين ولا يغادرونه، أما الزائرون فيقسمون ألا يفكروا في زيارة قطاع غزة عبر معبر رفح، وأن يكتفوا بالتضامن مع أهله عن بعد، وفي نصرته من مكانهم، دون الحاجة إلى الانتقال إليهم، وبعضهم قد تجشم عناء المغامرة وركب البحر ضمن قوافل الحرية، ليدخل إلى غزة عبر البحر، ليتخلص من المعاناة التي يلقاها المسافرون في طريقهم إلى معبر رفح.

ويبدأ العائدون والمغادرون في نقل قصص ما يعانون ويلاقون خلال رحلة السفر والعودة، وكأن المخططين لمسار رحلات الذل والهوان، يريدون أن يتناقل الناس هذه القصص والحكايا، ليمنعوهم من مغادرة القطاع، وليحولوا دون عودتهم إليه، وواقع الحال يقول بأن السلطات الأمنية المصرية تبالغ في إجراءتها القاسية، فهي فضلاً عن احتجاز المسافرين والعابرين في أقبية مطاري القاهرة والعريش، فهي تمنع أي وافدٍ غزي من الدخول إلى مصر، حتى يحصل على إذنٍ أمني أو تأشيرة مسبقة، وإذا حدث ودخل غزيٌ مطار القاهرة دون أن يحصل على الموافقة الأمنية والتأشيرة الرسمية، فإن سلطات المطار تجبر الشركة الناقلة بإعادة المسافر من حيث أتى، أما إذا حصل على الإذن أو التاشيرة فإن هذا لا يعني أن يجتاز الأراضي المصرية حراً إلى معبر رفح، وإنما يعني أن يساق مخفوراً إلى القبو انتظاراً لقوافل السبي التي تقوده مع مئاتٍ إلى معبر رفح الحدودي.

يعجز اللسان والبيان، ويحار الإنسان عن تفسير أسباب هذه المعاناة، وعن الأسباب التي تدفع السلطات المصرية على تسيير قوافل الذل والهوان الفلسطينية، ولماذا تصر على تعذيب المسافرين الفلسطينيين وقهرهم وإذلالهم، فهل يشكل المسافرون والعابرون أي خطرٍ على أمنهم، وهل يشكل المرضى والمسنون الذين ينتظرون أياماً على المعبر أو داخل القبو، حتى يسمح لهم بالانتقال مخفورين إلى معبر رفح الحدودي، خطراً على أمن مصر، وما الجريمة الذي اقترفها المغتربون الغزيون عندما يريدون زيارة ذويهم في القطاع والاطمئنان على أحوالهم وظروفهم، فالغزيون الذين يحبون مصر وشعبها، لا يستطيعون أن يتفهموا هذه الإجراءات المصرية القاسية بحقهم، ويطالبون الحكومة المصرية برفعها أو التخفيف منها، وهم يضمنون لمصر أمنها، ويحرصون عليه، بل يبدون استعدادهم للدفاع عن أمن مصر وحمايته.

كلمات دليلية
0% ...

آخرالاخبار

حرس الثورة: أمريكا وكيان الاحتلال سيرضخان لواقع منطقة خالية من وجودهما


صنعاء تعلن عن عدوان سعودي كبير على محافظات يمنية وتؤكد أنه لن يمر دون رد


استطلاع رأي "رويترز ايبسوس": 17% فقط من الأميركيين يؤيدون طريقة تعامل ترامب مع تكاليف المعيشة


الخارجية القطرية: أي اتفاق بين واشنطن وطهران لن يكون نهائيا بل سيكون كافيا لبدء التفاوض


المتحدث باسم الخارجية القطرية: نحن بحاجة إلى حل دبلوماسي مستدام يحقق الضمانات الأمنية لكل دول المنطقة


المتحدث باسم الخارجية القطرية: نسعى إلى تسهيل اتفاق بين واشنطن وطهران حتى لو قصير الأمد ليفتح الباب لمفاوضات


حرس الثورة: العدو بعد فشله في المجال العسكري، لجأ إلى حروب هجينة ونفسية واقتصادية وإعلامية


حرس الثورة: القوات المسلحة على أهبة الاستعداد للرد بحزم وبشكل مدمر على أي اعتداء أو خطأ في حسابات العدو


حرس الثورة: على أمريكا والنظام الصهيوني أن يدركا أن عليهما، عاجلًا أم آجلًا، القبول بمنطقة خالية من وجودهما الخبيث والإجرامي، وأنهما لن يتمكنا من الإفلات من هذا المصير


وزير الداخلية الباكستاني لبزشكيان: عازمون على مواصلة تطوير وتعزيز العلاقات والتعاون بين البلدين في مختلف المجالات


الأكثر مشاهدة

نفاد الوقود يهدد مستشفيات غزة بالشلل ويهدد حياة المرضى


تقدم يمني متسارع يربك القوات المدعومة سعودياً في تعز ولحج


ترامب يصعّد ضد إيران و"إسرائيل"تترقّب ساعة المواجهة


اللواء رضائي: لا خيار أمام أمريكا سوى قبول شروط إيران


قوات الاحتلال تجري عمليات نسف في المناطق الشرقية لمدينة غزة


آليات الاحتلال تطلق النار شمال مدينة بيت لاهيا شمال غربي قطاع غزة


مصادر محلية: مستوطنون يقتحمون قرية "عورتا" جنوب نابلس، ويؤدون طقوساً تلمودية في مقام "العزير".


‏السفارة الأميركية في القدس المحتلة تحذّر مواطنيها في الكيان من احتمال إغلاق المجال الجوي، وفرض قيود، على خلفية تصاعد التوترات في المنطقة


مع اقتراب عيد "الغفران" اليهودي.. دعواتٌ فلسطينية للحشد والرباط في المسجد الأقصى المبارك، للتصدي لاقتحامات المستوطنين وإفشال مخططات الاحتلال


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تقتحم بلدة قباطية جنوب جنين


الشيخ قاسم: الصمود في مواجهة الاحتلال ومنع تحقيق أهدافه هو انتصار