قررنا الرحلة الى تركيا، التي عدت منها هذا الاسبوع قبل شهور كثيرة. بعد القافلة البحرية وتحذير الوزارة الخارجية من السفر حرنا شيئا ما، لكننا قررنا أن الغاء العلاقات الدبلوماسية بتركيا ومنع حملة الجوازات الاسرائيلية دخولها سيمنع السفر فقط. استمرت حولنا موجة الغاء السفر، مع او بغير تحذير وزارة الخارجية. وكان ذلك على نحو عام بسبب خوف مشروع من شيء ما قد يحدث في مكان ما في وضع مملوء بالمادة المنفجرة. وكان ثمة معارضون عقائديون. أجبت هؤلاء أنني لا أقاطع أحدا. ومن قاطعني فمبارك عليه. وفي المستوى القومي، ما زلنا ذوي المصلحة المركزية، في ان لا يتدهور الوضع بيننا وبين تركيا اكثر. فكل زيارة اسرائيلي اذن تسهم بنصيب في المصلحة الاسرائيلية.
وهكذا سافرنا وعدنا سليمين معافين، برغم ان الشرطي في المطار عند ختم الجوازات في المطار نظر الينا في دهشة ما وسأل ما الذي نبحث عنه في تركيا. وبغير ما صلة، كان المكان التركي الأخطر في هذا الاسبوع السفارة في شارع اليركون. رأيت عدة مشاهد وشعرت بعدة مشاعر قد لا تكون سوى أمر عرضي لكن يحسن أن أشرككم فيها.
أولا، ولمن نسي، ليست تركية بلدا عربيا. فبرغم كل ما جرى عليها، ما تزال احدى الروابط المهمة بين الغرب والشرق الاوسط وآسيا. إن السير في مدينة عربية اليوم، وفي أكثر سني وجود الدولة هو سير في مجال شعوري مشحون بالتوتر غير المحتمل بين وجودنا اليهودي هنا وبين العرب عامة والفلسطينيين خاصة. أما بيننا وبين الاتراك فلا يوجد عمق شعوري كهذا. يوجد اليوم بلا شك غضب متبادل. ويوجد بلا شك تحريض من أردوغان وحزبه الذي يحارب من أجل السلطة. لكن هذه العداوة ليست عميقة.
اذا أردنا مس العداوة، فانها تثور في تركيا على نحو تلقائي عندما تذكر اليونان المجاورة خاصة. ويوجد لذلك مثال لغوي مسل ايضا. إن أحد المأكولات المنتشرة في تركيا كما في اليونان هو مرق الخيار باللبن. سميناه في احدى الفرص تشيجيكي بحسب الاسم اليوناني. وكان رد المستضيفين سريعا: ليس هذا تشيجيكي بل جيجك، على حسب الاسم التركي، وكان خطأ واحد آخر كهذا سيكلفنا ثمنا باهضا.
ركب اردوغان موجة الاسلمة، لكنني استطيع الحديث عما رأيت عيناي فقط. في الاسبوعان اللذين جلت فيهما في أنقرة واسطنبول وبودرون، المدينة السياحية الساحرة، البلقانية جدا في جنوب غرب تركيا، ربما رأيت ثلاث نساء متنقبات. رأيت الكثير جدا من البراقع في زياراتي لعدة عواصم اوروبية في السنين الاخيرة. وكان غير قليل من البراقع في المطار، لكن المتبرقعات ركبنا الطائرة الى دبي، التي انطلقت في طريقها من الباب المجاور للباب الذي خرجت منه الرحلة الى تل ابيب. في ساعات ما وفي أجزاء ما كان يصعب ان نشير الى فرق بارز – في صورة اللباس وقضاء العطلة – بين شارع مطاعم في أنقرة وشارع مطاعم في تل أبيب.
لا يعني هذا ان الاسرائيليين يستطيعون الشعور في تركيا وكأنهم في البيت. ولا يعني على التحقيق ان علاقات اسرائيل وتركيا ليست في حضيض خطر. لكن يمكن ان نستنتج من هذا مع كل ذلك استنتاجين: الاول لا يزال الشخص الاشد جلالة في هذا البلد شخصا متنورا مثقفا هو كمال أتاتورك، الذي يوجد في مكتبته في المتحف في أنقرة أفضل أدب الغرب الفكري. والاستنتاج الثاني ان الازمة بين تركيا واسرائيل شديدة لكنها ما تزال بلا عمق، وما زالت تعدلها مصالح من شتى الانواع. يجب تجاوزها ويمكن ذلك لكن بحكمة. ومن فضلكم من غير اخفاق عسكري آخر ومن غير ألعاب كرامة وحيل اذلال لا داعي لها. ومن المراد أيضا تأميل الانتخابات القادمة وسقوط أردوغان. فتركيا تستحق أكثر وكذلك نحن.
روبيك روزنتال
معاريف 19/08/2010