بعد نحو اسبوع، اذا ما سار كل شيء كما كان مخططا له، فسيكون بوسع الوزراء ان يجلسوا بجموعهم حول طاولة الحكومة الكبيرة ويتناولوا الحلويات وانشاد الاغنية المعروفة لرأس السنة القادمة علينا بالخير، مع تغيير طفيف واحد: ستأتي الايام العسيرة. وهذا لا يعني ان الايام الحالية سهلة جدا ولكنها صفر بالقياس الى المصاعب التي بانتظارنا، الى ان تبدأ المحادثات المباشرة بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية تحت العين المفتوحة والذراع المحذرة للامريكيين.
هذه هي. لحظات الحقيقة وصلت. بعد سنة ونصف من اللاشيء، من السير في دوائر تتكرر دوما لتعود الى ذات نقطة الانطلاق، سيضطر رئيس الوزراء ومعه الحكومة بأسرها الى الشروع في بناء مستقبل دولة اسرائيل لعشرات السنوات القادمة. لن يجلس أي من الطرفين مع الاخر بسبب رؤية سياسية او قيادية ما. نتنياهو وابو مازن لا يتميزان بالنظر الى البعيد، او بفائض الرغبة الطيبة في تغيير الواقع الدامي للجيرة المجنونة لدينا. لو كان بوسعنا، لواصلا القعود دون عمل أي شيء.
لحظنا يوجد اليوم في البيت الابيض رئيس جديد ومصمم، حتى لو كان يهبط كل اسبوع في استطلاعات الشعبية، فانه الرجل السليم في المكان السليم اكثر من أي شخص آخر. فهو لا يزال رئيسا لديه طريق، مذهب، وبالطبع قوة هائلة. وهو لن يسمح بنزعة المستوى الوسط والمراوحة في المكان ومواصلة الحكم. قليل جدا من المرات منح فيها رئيس الوزراء فرصة هامة بهذا القدر للتأثير على الخطوات التاريخية وتغيير وجه الواقع، والى جانبه وجه الدولة التي تلقى مسؤولية الحراسة لها لعدة سنوات.
دافيد بن غوريون كان زعيما كهذا، مناحيم بيغن، اسحاق رابين، لو لم يقتل. نتنياهو لا يزال يمكنه ان يدخل هذا الصف المحترم اذا ما قاد خطوة تؤدي الى انهاء كابوس الاحتلال الذي يمتد لعشرات السنين، والذي جعل اسرائيل دولة غير اخلاقية وغير قيمية بالتعريف واقامة دولتين للشعبين مقابل الاعلان الجارف عن انتهاء النزاع.
أيبدو هذا خياليا؟ ليس بالضرورة. صيغة تحقيق الانعطافة الدراماتيكية هذه معروفة، ولكن مثلما في الرياضيات صعب جدا اثباتها. لاجل وجود دولتين واحدة الى جانب الاخرى يتعين على اسرائيل ان تتنازل عن السيطرة على معظم اراضي الضفة وتخلي البؤر الاستيطانية غير القانونية بمستوطنيها العنيفين. وعلى السلطة ان تتخلى عن حق العودة، وتوافق على مناطق مجردة في البداية وملزمة بأن تضمن عدم السماح بالنشاط الارهابي في اراضيها ومن اراضيها.
في موضوع القدس على الطرفين ان يتنازلا. هناك من سيقول ان الحديث يدور عن تنازل هائل، وهناك من سيقول ان هذا التنازل محتمل وممكن. هذه لحظة الاختبار الحقيقية لبنيامين نتنياهو. عليه ان يقرر بينه وبين نفسه اذا كان يريد ان يكون صفحة قصيرة وغير هامة في صفحات التاريخ ام انه يريد ان يقود اسرائيل نحو المستقبل الافضل الممكن لها من كل ناحية كانت. عليه ان يقرر اذا كان يفضل مواصلة كونه دمية مع خيوط في يدي ايلي يشاي وافيغدور ليبرمان، ام يريد هو ان يحمل اسرائيل الى أزمنة جديدة وازدهار وتنمية لم نشهدها من قبل.
عندما يجري الحديث عن مسيرة سلمية لا يذكر الا الثمن، وهو بالطبع هائل وصعب. الحكومة التي لا تنجح في اخلاء عشرة فتيان من كرفانين على تلة نائية ستضطر الى اخلاء عشرات البؤر الاستيطانية كهذه، وهذا فقط نموذج واحد. غير انه حان الوقت للتفكير ايضا بالثمن الذي سيأتي كنتيجة لسياقات شجاعة. بعيدو النظر يتحدثون عن دولة مزدهرة، عن اقتصاد قد يكون بوسعه اخيرا ان يغطي الفوارق الاجتماعية على حساب الميزانيات الهائلة للدفاع وللمستوطنات، عن ازدهار لا مثيل له في العلاقات الخارجية لاسرائيل، وعن عودة الى ايام بعيدة كنا فيها محقين واسوياء العقل. اولئك الذين يرون حقا بعيدا يتحدثون بتعابير العودة لان نكون الشعب المختار. اذا عرفت اسرائيل كيف تحسب على نحو سليم مكاسبها من خطوة السلام، فاننا سنرى جميعنا بأنها تفوق الثمن بعشرات الاضعاف. ونتنياهو يعرف جيدا كيف يجري حسابات الربح والخسارة.
ياعيل باز ميلاميد
معاريف
8/8/2010