أبي رحمه الله، اسرائيلي غوري، كان رئيس لجنة المالية في الكنيست. ذات ليلة، في اثناء نقاش عاصف على الميزانية، قال أبي ان "النائب سنيه تصرف بغير نزاهة". بعد ذلك اعتذر: "انه لم يدقق في الارقام، ولهذا فقد تلفظت بحدة". اقدر بانه لو كان يعيش في عصرنا اليوم وكان شاهدا على طرد النزلاء العرب من بيوتهم، التي كانت في الماضي ملكا يهوديا من أجل خلق حي يهودي في المكان، لكان رأى في ذلك "فعلا غير معقول".
بتأخير كبير انضممنا أنا وعقيلتي ايضا الى وردية الاحتجاج في حي الشيخ جراح في القدس. وسألني أحد الصحفيين عن نحو مفاجىء جدا: "ماذا تفعل انت هنا؟" قلت له اني أرى في ذلك "عملا غير معقول"، يشوه صورة وجهنا، فعلا سيئا من ناحية اخلاقية وسياسية، مع ان كل شيء تم حسب القانون من ناحية قضائية. واضفت بان هذا العمل لا يعزز سيطرتنا في المدينة التي اعيد ربط اوصالها، بل يزيد العداء والاحباط ويعمق الشرخ في المجتمع الاسرائيلي.
أذكر أنه نظمت هناك وردية احتجاج على عجل، جاء رئيس البلدية تيدي كوليك بشخصه وبنفسه للتضامن معها. كما أن الشاعر يهودا عميحاي كان هناك يساهم بدوره المعارض. وفيما بعد قال لي كوليك ان هذه الافعال تلحق بنا الضرر حتى في اوساط الاصدقاء المقربين. واشار على نحو خاص الى البيت الكبير، على هامش سوق افتيموس، المجاور لكنيسة القيامة، قلب المسيحية في القدس، والذي اشتري بتبرع من يهودي غني من الخارج واسكن بيهود متدينين ورفع فوقه علم اسرائيل.
القدس. القدس. مدينتي التي تبنتني. حيث أني اصلا من تل ابيب ولكن من العام 1949 وانا اعيش في القدس مع زوجتي المقدسية. فيها تعلمت في الجامعة العبرية، فيها ولدت ثلاث بناتي، فيها قاتلت في الايام الستة على مسافة غير بعيدة من هنا، امام الشيخ جراح، على سفوح جفعات هتحموشت.
القدس تؤلمني. فهي آخذة في التأصل (الحريدي). الكثير من سكانها وابنائها يبتعدون عنها بسبب انعدام وجود اماكن رزق وبسبب ازمة السكن. هذه عاصمة ربطت اوصالها، ولكنها لا تزال شطرين. لم نتعلم كيف نعيش على نحو صحيح مع القدس الاخرى. هذه مدينة عرفت غير مرة كيف تتظاهر بالسلام والهدوء واصبحت مدينة دم وعمليات تفجيرية، حين كان شطرها عدو لشطرها الاخر.
أجد صعوبة في أن افهم طريق وفعل رئيس البلدية نير بركات. فهو مسؤول عن كل سكانها. لم اسمع على لسانه كلمة تحفظ على هذا الاستفزاز في قلب مدينته. ففي وثيقة الاستقلال ذاتها قيل: "دولة اسرائيل ستقيم مساواة تامة في الحقوق الاجتماعية والسياسية لكل مواطنيها دون فرق في الدين، العرق او بين الرجل والمرأة". فهل هو يفي بهذا التعهد؟ هل نحن نفي به.
لا، القدس لا تحتاج الان الى هذه الفضيحة في سلوان، في الشيخ جراح، في البلدة القديمة وفي راس العمود. ما الذي سينفعه التغلغل غير النزيه هذا، المُصادر والوارث، لقلب احيائهم، فيما ليس لهم امكانية بان يطالبوا عمليا بما كان لهم في هذه المدينة؟
أنا اسأل نفسي غير مرة – اين هم تلاميذ زئيف جابوتنسكي، الذي كتب شعرا كرؤيا للمستقبل: "عندها ستكون الوفرة والسعادة/لابن العربي، ابن المسيحي وابني". وماذا يقول بعض من معارفي، من رجال غوش عصيون، الذين يحاولون خلق حوار حقيقي مع ابناء الشعب الجار؟ لماذا لا نسمع صوتهم؟
حاييم غوري
يديعوت