في المدة الاخيرة، وفي غير قليل من المرات، تثار دعاوى على مبلغ الحرية التي يسمح بها محاضرون في الجامعة الاسرائيلية لانفسهم في انتقادهم للدولة. ان وزير التربية جدعون ساعر هو الذي انضم هذه المرة الى توجه عدد من الجهات. فقد بارك الوزير، ردا على توجه رابطة "اذا شئتم"، بارك الرابطة لنشاطها والتزم ان يبادر الى اجراء تدخل مكتبه في الحرية الجامعية في اسرائيل.
أولا، وقد يجب عليّ أن ابين ذلك قبل كل شيء في المناخ الحالي، نشرت في الماضي مقالة في صحيفة "غارديان" البريطانية، عبرت فيها عن معارضتي لمقترح القطيعة البريطاني مع الجامعات في اسرائيل. وما زلت أعتقد انه ينبغي ان يرفض البتة الاستقبال البهيج الذي قام به وزير التربية لحركة "اذا شئتم"، لانه بذلك تمنح الموافقة على مطلب ان يدرس محاضرون في اقسام العلوم السياسية في اسرائيل، الطلاب بحسب مذاق حركة سياسية ما.
ان الهجوم على المحاضرين في اسرائيل هو في واقع الامر هجوم مكارثي على حرية الفكر والتعبير. وهو يهدد بان يحل محل القطيعة من الخارج، وهي قطيعة تشكوها الحكومة. ان معارضتي للقطيعة البريطانية مع اسرائيل قامت على الشكل الانتقائي للخطوات المعارضة لاسرائيل في السياق الدولي، وكذلك ايضا على الطبيعة الديمقراطية لدولة اسرائيل وعلى الحماقة في السعي لتقويض الحرية الجامعية في اسرائيل (اؤمل انه ما زال يؤجد في اسرائيل من يدرك المفارقة التهكمية في تصريح الاخلاص هذا).
الى جانب معارضتي القطيعة مع اسرائيل من الخارج، فان امكان قطيعة في الداخل مع محاضرين ما هو إمكان اخطر كثيرا لانه يضر بنسيج الديمقراطية الاسرائيلية. بل ان تأثيرات اجراء من هذا القبيل تتجاوز المكارثية الامريكية في الخمسينيات. يأتي هذا الاجراء في زمن تواجه في دولة اسرائيل عددا من المعضلات الوجودية، وحكومتنا رهيبة في ايدي حركات هاذية، وقومانية ومتدينة.
هذه لحظة ذات شأن لان هذا هو الوقت الذي قد ينهار فيه نجاح دولة اسرائيل الكبير، في الحفاظ على ديمقراطية دستورية زاهرة في ظل التهديد الدائم للحرب.
إذا نظرنا في دروس التاريخ، فانه يوجد خوف كبير من ان الميل الى مواقف قومانية ودينية قد يفضي الى الفاشية. ان الخطر الكامن في الطموح الى اسكات اصوات نشطاء حقوق الانسان واضح بيّن. يفهم من توجه وزير التربية نحو محاضرين انتقاديين زعموا انه كأنما نشطاء حقوق الانسان هم المسؤولون عن تهاوي صورة دولة اسرائيل في العالم. لكن هذا الزعم يتجاهل العامل الرئيس في هذه التهاوي. انه اليمين الاسرائيلي الذي يقف على رأسه بين جملة من يقفون وزير خارجية تصدر عنه صبح مساء تصريحات عسكرية – ويثير الرد الانتقادي كثيرا على اسرائيل في انحاء العالم. ومن الحقائق اليوم ان الرد الانتقادي يأتي من قبل اصدقاء بينين لاسرائيل، يهود وغير يهود، في مركز الخريطة السياسية، يقلقهم انخفاض مستوى القيم عند القيادة الاسرائيلية.
قد تمكن، بطبيعة الامر اراء سياسية مختلفة في الاتجاه المناسب الذي يجب أن تخطو فيه دولة اسرائيل من ناحية سياسية. لكن ما لا لبس فيه هو الشرط الاساسي لوجود الديمقراطية وهو ضمان حرية التعبير، وحرية التفكير والحرية الجامعية. هذا الشرط هو الذي حمى اسرائيل على انها جزء من عائلة الشعوب الديمقراطية وهو الذي يمكنها ايضا من ان تثبت لهجمات تحاول تقويض مجرد شرعية وجودها كدولة.
وعلى ذلك من المهم أن نفهم ان التخلي من التزام حكومة لهذه القيم الديمقراطية الاساسية سيفضي الى اختلال مكانة دولة اسرائيل، وهو اختلال اشد خطرا بكثير من انتقاد سياسي موضوعي للنهج الذي تخطو فيه اسرائيل – من اليسار او من اليمين.
البروفيسورة فرنسيس رداي
اسرائيل اليوم 24/06/2010