اتخذت المفاوضات النووية بين إيران والدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا منحىً سلبياً في موسكو خلال الشهر الماضي. صحيح أن صانعي السياسة والنقاد لم يعتبروا تلك المحادثات إنتكاسة ولا إنجازاً، لكن لا شك أن الفريقين يفكران الآن بكيفية تدارك الوضع بعد تلك التطورات الخطيرة. رغم كل شيء، لا بد من الإشادة بدور طهران وواشنطن لأن المسؤولين عن العلاقات العامة في البلدين قاموا بعمل جبار لتغيير المسار السلبي الذي اتخذته المفاوضات في موسكو. لكن في المجالس الخاصة، اعترف المسؤولون من الطرفين بأن المحادثات تعثرت أصلاً لأن الولايات المتحدة غيّرت أهدافها مجدداً، إذ يشير تقييم موضوعي إلى أن العوامل السياسية دفعت واشنطن إلى التراجع عن الإتفاق.
أبرز ما اتُّفق عليه في محادثات موسكو هو متابعة المساعي الدبلوماسية على المستوى التقني (لا على المستوى السياسي). يمكن أن تساعد جولات جديدة من المفاوضات في تعزيز التعارف بين الفريقين بعد ثلاثة عقود من التباعد. لكن ثمة جانب سلبي لهذا المسار: يؤدي تخفيض مستوى المحادثات إلى تراجع احتمال التوصل إلى اتفاق يواجه أصلاً حواجز لا تُعدّ ولا تُحصى. غير أن متابعة المحادثات على مستوى أقل هو أفضل من وقف المحادثات نهائياً. تتعدد الأسباب التي تجعل من الدبلوماسية مع إيران عملية مطولة لا يمكن أن تنتهي بلمح البصر. يعجّ التاريخ بالمحاولات الفاشلة من الطرفين للتوصل إلى نوع من التسوية.
عام 2009، تراجع الإيرانيون، واليوم، يبدو أن إدارة أوباما لا تستطيع التعامل مع أي رد إيجابي من الطرف الآخر. بكل بساطة، من الواضح أن الإعتبارات السياسية المتعلقة بإسرائيل وإعادة انتخاب الرئيس أوباما تعيق قدرة الولايات المتحدة على المشاركة في حوار حقيقي وتدريجي يرتكز على المعاملة بالمثل. يعني ذلك أن الأشهر المقبلة ستشهد وضعاً متقلباً بين التصعيد والدبلوماسية حتى انقضاء موعد الإنتخابات الرئاسية الأميركية. لكن تبرز المشكلة في هذا المجال تحديداً: من الأصعب احتواء المناخ السياسي المشحون خلال هذه السنة الانتخابية في الولايات المتحدة. تكمن مشكلة سياسة حافة الهاوية في واقع أن التعثر والسقوط يمكن أن يحصلا لأبسط الأسباب في هذه الحالة.
على الأرجح، تفكر إدارة أوباما من جهتها بضرورة حصول انتكاسة معينة في العملية الدبلوماسية من أجل تحقيق إنجاز لاحق مع إيران. بعد أن وصلت المحادثات المتعددة الأطراف إلى طريق مسدود، تعتبر الولايات المتحدة أنها تملك فرصة أفضل للحصول على ما تحتاج إليه من خلال تصعيد الصراع. إنها لعبة خطيرة (لأن أصغر الأخطاء قد تؤدي إلى اندلاع مواجهة عسكرية) ولكنها تحمل بعض الجوانب المنطقية. لكن في ظل السياق الراهن، تبرز مشكلة مزدوجة في منطق التفكير هذا.
يُفترض أن تحذر واشنطن من المبالغة في التلاعب بالوضع بهذا الشكل، علماً أنها تتهم طهران في العادة بالقيام بالأمر نفسه. يجب أن يكون فريق أوباما واقعياً بشأن فاعلية العقوبات (الصارمة): من هو المتضرر الحقيقي من هذه العقوبات؟ لا شك أن إعاقة الصفقات النفطية والمالية الإيرانية لها تداعيات معينة ولكنها قد لا تطاول المسؤولين الذين تسعى الولايات المتحدة إلى استهدافهم في إيران. يؤكد التاريخ في مناسبات متكررة أن الرضوخ ليس أمراً سهلاً بالنسبة إلى بلد قومي ومتفاخر. كذلك، من المعروف أن سجل العقوبات يبقى سيئاً للغاية ويثبت نجاحها المحدود في أغلب الأحيان حصول عواقب غير مقصودة.
يدرك عدد كاف من المسؤولين في إدارة أوباما هذا الواقع، ما يدفعهم إلى الحفاظ على حد أدنى من العملية السياسية حتى نهاية السنة. كانت محادثات إسطنبول تهدف إلى تحقيق تلك الغاية. ضُبط أوباما وهو يتكلم عبر ميكروفون ويشرح هذه المقاربة لديمتري ميدفيديف الروسي: (إنها آخر انتخابات بالنسبة إلي… بعد انتخابي، سأتصرف بمرونة أكبر). وقال أوباما إنه يحتاج إلى بعض (المساحة) حتى الفترة التي تلي الإنتخابات في شهر نوفمبر، ما يساهم في تعزيز قدرته على تقديم التنازلات في المسائل الشائكة. نظرياً، إنها مقاربة منطقية، لكن عملياً، ما حصل حتى الآن هو مجرد مرحلة تمهيدية لما سيحدث لاحقاً.
إذا أُعيد انتخاب أوباما، فلن يكون الكونغرس أكثر تساهلاً ولن تصبح إسرائيل أقل تعنتاً وستبرز حاجة دائمة إلى حماية المعسكر الديمقراطي تحضيراً للجولة المقبلة من الانتخابات. تشير هذه الأساليب كلها إلى أن أي حادثة فردية قد تطلق بكل سهولة صراعاً واسع النطاق يريد الفريقان تجنبه. كان السفير جون ليمبرت، نائب مساعد وزير الخارجية الأميركية في إيران، يذكّرنا خلال عمله في وزارة الخارجية الأميركية بأن أي طريق يمكن أن يوصلنا إلى الهدف المنشود إذا كنا لا نعلم الوجهة التي نسلكها. بما أن حلفاء الولايات المتحدة يوافقون على طريقة تعامل واشنطن مع البرنامج النووي الإيراني بهدف منع الحرب، فيجب أن يتمنوا أن يبصر أوباما الضوء في نهاية النفق، لكن نظراً إلى وضع المفاوضات، سيرتفع منسوب التشكيك حتماً. قد تكون نوايا أوباما صادقة، لكنّ الطريق إلى الجحيم ترتكز على النوايا الحسنة أيضاً!
*صحيفة الوفاق–رضا مرعشي