يجيب برجينسكي: علينا أن نعرف ما هو الشيء المهم أكثر من أي شيء أخر في العالم؟ حركة طالبان أم الامبراطورية السوفيتية؟ تحريك وتحريض المسلمين أم تحرر أوربا المركزية ونهاية الحرب البادرة؟
طبعاً بالنسبة للأشخاص الذين تعودوا أن يدفعوا نفقات سياساتهم من جيوب الآخرين هناك خطر ماثل لتكرار حدوث هذا الأمر كل 50 عام، لكن بالنسبة للشعوب التي تعيش في المنطقة هي من تقوم بشكل يومي جراء انتهاج هذه السياسات بدفع نفقاتها الباهظة.
في أقل من نصف قرن دفع الشرق الاوسط لمرتين متتاليتين الفاتورة الباهظة للصراع في أوربا وتمثل هذا الأمر أولاً في احتلال فلسطين وتشكيل الدولة الإسرائيلية كدية عن دماء الضحايا اليهود الذين سقطوا في الحرب العالمية الثانية، وثانياً ايجاد مشروع جهادي "العرب الأفغان" الذين كان هدفهم النهائي إسقاط سلطة الروس في الشرق ومركز أوربا. الفيروس الذي زرعه برجينسكي مفتخراً بأنه أحد أهم الإنجازات التي تمت خلال توليه مسؤولية مشاور الأمن القومي في البيب الأبيض، فبعد اجتثاث نفوذ الإمبراطورية السوفيتية في أوربا سرعان ما تحول إلى مرض فتاك. يشكل زعماء القاعدة "الملا عمر" "أيمن الظواهري" و"أسامة بن لادن" أول إصدار من هذا الفيروس، يكفي أن نستذكر جرائم طالبان فقط في وادي باميان الواقع في منطقة هزارهجات في أفغانستان حتى ندرك الطبيعة الخطرة لهذا الإصدار من فيروس الأصولية.
لم يمضِ الوقت طويلاً حتى أخذ فيروس برجينسكي يحصد أرواح المواطنين الأميركيين، التاريخ يعيد نفسه مرة أخرى وهذه المرة مع الجيش الأميركي الذي دخل إلى أفغانستان مكان الجيش الأحمر لمواجهة العدو الذي صنعته أميركا.
أوجد مشروع مكافحة الإرهاب تحت الشعار المعروف "من ليس معنا فهو ضدنا" إصدارات وأجيال جديدة من فيروس الأصولية، ظهرت هذه الإصدارات في العراق بعد الغزو العسكري الأميركي له تحت عنوانين الجهاد ضد المحتلين والكفار حيث قتل عشرات آلاف العراقيين الأبرياء .
الإصدارات الجديدة من فيروس الأصولية خطيرة جداً أكثر من السابقة، ويكفي أن نقارن إصدار فيروس "أبو مصعب الزرقاوي" مع إصدار "أيمن الظواهري" عندها سندرك كم تحول وتطور هذا الفيروس بعد دخوله إلى العراق إلى فيروس فتاك متنقل.
طبعاً يجب الاعتراف أن مشروع المجاهدين العرب حاول امتطاء القوالب والأيدولوجيات الفكرية المتجذرة عميقاً في التاريخ الإسلامي لشخصيات أمثال ابن تيمية والذين يعتبرون أن كفر الشيعة أكبر وأخطر من الكفار المسيحيين واليهود ويحكمون عليهم بالموت! وهل نمط تفكير شخصيات مثل الزرقاوي مختلف عن فقهاء أمثال الفاريابي والذين يعلنون أن كل الشيعة كفار!
أليس هذا هو اللحن نفسه الذي يسمع من فقهاء الوهابية السعودية الذين يعلنون أن قتل الشيعة والمسيحين والعلويين أمر مباح. وأن المجاهدين الذين يقتلون في هذا الطريق يصبحون جلساء رسول الله في الجنة!
الممتع في هذا أن هؤلاء المجاهدين في سبيل الله حتى الآن لم يرموا ولو حجراً واحداً على جدار السفارة الإسرائيلية في الأردن أو في مصر وهذا يظهر ماهية قياداتهم التي تتحكم بهم وتسيطر عليهم عن طريق أجهزة استخبارات الدول التي تتعهد أنظمتها السياسية الحاكمة بالحفاظ على آمن الكيان الصهيوني.
أي فيروس يحتاج إلى ظروف مناسبة وبيئة حاضنة لاستمرار بقائه والبيئة الحاضنة لفيروس التكفيريين تكمن في الحروب وحسب ما يدّعون "الجهاد".
حسب التقارير المتعددة المنتشرة في الصحف الغربية والعربية خلال الآونة الأخيرة والتي تتحدث عن تحول سوريا إلى قبلةً ووجهة رئيسية لعناصر القاعدة والتيارات التكفيرية، فقد دخل إلى سوريا في الوقت الراهن المئات من المجاهدين العرب من دول مختلفة مثل السعودية، العراق، ليبيا، اليمن، السودان، الجزائر برفقة عدد كبير من العرب الأوربيين وذلك عن طريق تركيا ولبنان، حسب ادعائهم ليقاتلوا الجيش العربي السوري بالأسلحة التي تزودهم بها السعودية وقطر عن طريق جهاز الاستخبارات التركية (ميت) الذي يقوم بدوه بتوزيع السلاح وتدريب هذه العناصر على القتال. و"حسب ادعائهم" فإن أجر وثواب مقاتلة الجيش السوري هي حور العين في الجنة.
دون شك هناك شيء مسلّم به وهو أن حكومة الرئيس بشار الأسد ليس حكومة ديمقراطية بالكامل ولدى السوريين مطالب إصلاحية محقة، لكن واقع ما جرى فقد تسلل السلفيين واندسوا وسط المعارضة السورية وسيطروا على قواعد اللعبة. فلنفرض أنه استطاعت عدة مجموعات مسلحة أغلبها يشبه كتيبة الفاروق ذات النزعة السلفية بالإضافة إلى المجاهدين العرب الذين دخلوا إلى سوريا أن تسقط النظام الحاكم في هذا البلد ، عندها ماذا سيحدث؟ هل ستبقى الطبيعة التعددية القبلية والنسيج الطائفي المتنوع في سوريا في مأمن من الأذى والتعرض الحتمي من قبل هذه العصابات؟ تعبر المعارضة السورية عن مخاوف حيث تخشى أن تنتقل من هذا النظام لتقع تحت سلطة هؤلاء السلفيين.
طبعاً التخوف من نمو المجموعات التكفيرية لا يعني أبداً أن تُغيبْ مطالب الشعب الحقيقة، لكن الواقع الذي وصلت إليه الأزمة السورية في الوقت الراهن، أصبح المواطنين يخشون على حياتهم قبل أن يفكروا بمطالبهم. لهذا السبب هناك الكثير من السوريين المتواجدين في المناطق الساخنة فضلوا إما أن يبقوا في منازلهم أو أن ينتقلوا إلى المناطق الهادئة والأمنة. إنهم يفكرون بحرقة وحزن كيف قام السلفيون بمصادرة حركتهم الاصلاحية واتجهت الأمور نحو إراقة الدماء.
الواقع يقول أن أي مكان ينفذ إليه فيروس الأصولية والتطرف يقوم بسرعة كبيرة بالتأقلم والتكيف من الظروف والبيئة المحيطة. حيث تطور في اليمن نظراً للنسيج القبلي هناك، وفي العراق تطور وتمحور وفق قواعد مذهبية خاصة، وفي حال استطاع أن يجد لنفسه جذوراً في سوريا وفق النسيج الطائفي المتعدد في هذا البلد ستكون حركته ونموه متسارعة جداً. وفي علاقة المجاهدين بالمسؤولية الشرعية والقانونية لا يوجد شيء يدعو للقلق لأنه دائماً هناك قوانين وتعاليم لفقهاء التكفير توجد أحكام يمكن استعمالها وتفعليها في ظروف وشروط متنوعة ومتعددة حيث يقومون بإصدار فتاوى ترسل بموجبها جميع الإرهابيين إلى الجنة. للأسف التاريخ هو تكرار للتجارب التي لا يعتبر أحد منها.
*المصدر: الدراسة الاستراتيجية (Strategic Review)