كانت حرب الثقافات معلقة فوقنا سنين كثيرة مثل طائفة من الغيوم أو مثل تهديد. وهي الان تتحقق؛ فالحرب قد نشبت. بدأ تمرد الحريديين الكبير، وهو يحدث في جبهات كثيرة: في القدس وعسقلان ويافا وعمانوئيل وبئر السبع، ولا يوجد مكان آمن. إن الجمهور الحريدي الذي اقتطع دائما من غراسنا يقتلعها الان من جذورها فهو سيدمر ويضيع قيما أساسية، لا بقاء بغيرها لدولة متقدمة وديمقراطية؛ وهي ضائعة اذا لم ترد على ذلك بالحرب.
هذا ما كان متوقعا حدوثه – حاولنا ان نتجاهل وأن نبعد – وهذا ما يحدث، عندما لا يوجد أي اتفاق على مصدر السلطات. إن مصدرها هو الحروف الميتة للشريعة اليهودية – وكل حاخام وشريعته – أما مصدرنا فهو مصدر ماء حي، يجري بين الحكومة والكنيست والمحكمة، وهي المؤسسات ذات السلطة والمنتخبة في الديمقراطية.
لهذا لا أمل كثيرا من محادثة الرغبة الخيرة؛ فأنا لم أعتقد قط بأن تؤتي ثمرة. ومن الدليل على ذلك أن جميع المحاولات حتى الآن باءت بالخسار، لا بالحفر الآثر فقط. فليس هذا سوى محادثة بين أخرس وأعمى. ونحن نرفض أن نرى الواقع على حقيقته، والى أين يجري والى أين يصل.
كيف يمكن التحادث والتوصل الى اتفاق مع من لا يملكون الها سوى ابيهم الذي في السماء وممثليه على الأرض؛ ومع اولئك الذين ربهم هو رب العالم ورجال الدين أنفسهم الناطقون عنه. يحسن أن نتذكر نحن ايضا أن لنا الها لكنه على الأرض، في قلوبنا ووعينا؛ ولنا رب أيضا هو الشعب وممثلوه المنتخبون غير الممسوحين.
أعلن الحريديون تمردا الان لسبب واضح؛ فهم يعلمون أنهم يملكون احتمالات أفضل للانتصار ولولا ذلك لما عرضوا أنفسهم للخطر. لو كانوا في دولة أخرى لخضعوا بطأطأة الرؤوس للسلطات لكنهم هنا فقط يخلقون قوانين لأنفسهم.
لقد جلبنا هذا الشغب على أنفسنا بأيدينا او بعجزنا؛ وكسبناه بخسارات مكرورة وتنازلات معادة. اذا كانوا في كل دولة تستحق هذا الاسم يفعلون ما يستطيعون للفصل بين السياسة والدين، فانهما عندنا يعملان في خليط، ويستعملان تاجا واحدا، ويستنقعان في الوحل نفسه ويتسخان معا.
انهم أبطال في اسرائيل فقط. ففي كل مكان آخر هم خاضعون مطيعون. فليس ينقصهم في الولايات المتحدة إلا أن يعيبوا على القضاة بسم الله او أن يهاجموا باسمه رجال شرطة في أوروبا. إن هذا لا يخطر حتى ببالهم، أهم مجانين ليفعلوا ذلك؟
وفي اسرائيل فقط يحل لهم أن يجنوا لانهم يسمحون لهم. فقبل نحو من سنة فقط منعت محكمة في لندن مدرسة حريدية خاصة من التنقيب في يهودية المرشحين للقبول. واعجب انه لم يحدث لا شغب ولا صراخ. لقد قبل شلومي – اموني القاضي على وجه وربما على أعضاء أخرى في جسمه.
أما حريدو صهيون والقدس، في مقابلتهم فلا يعترفون بأهلية الدولة الصهيونية، ولا يجيزون سلطتها في محاكمهم الخاصة لكنهم يتفضلون بعظيم فضلهم بالاعتماد على مائدتها. انهم يركلون كل دلو مملوءة، لكنهم لا يستغنون عن الزبد. والدولة "اليهودية" من جانبها تتخلى عن "الديمقراطية" في تعريفها.
لم نسمع حتى هذه اللحظة كلمة رسمية واحدة من المسؤولين: فلن يقوم ولن يسنى قانون يلتف على قرار محكمة العدل العليا؛ ولن يستمر التمييز السيء للطلاب الجامعيين قياسا بالرجال اليهود الدارسين؛ ولن توافق الحكومة البتة على الفصل بين طالبات شرقيات وغربيات، ولن يحل حاخام محل قاض، ولن يحل الموت محل الاحياء في حملة حمالات طبية؛ ستقمع المظاهرات العنيفة بحماية السماء وحماية الكفر بسلطة القانون.
ليس هذا الان ضحك الساسة الذين يضحكون منا – بالتفاوض في الأساس؛ يؤثر هذا الآن في نفوسنا، في نفوس اليهود من أبناء عصرنا الذين يندبون ضياع مشروعهم. هذه الحرب التي لم نطلبها وفرضت علينا لا يحل لنا أن نخسرها.
يوسي سريد
هآرتس 117/06/2010