بعد حرب الايام الستة، عندما بدأ في اسرائيل الجدل السياسي في مستقبل مناطق، ولا سيما مستقبل المناطق الفلسطينية، كان يمكن أن نفرق بسهولة نسبية بين المواقف المختلفة بحسب مقدار الأرض الفلسطينية التي أراد اصحاب المواقف ضمها الى اسرائيل كشرط لاتفاق السلام.
بل كان يمكن أن نقدر بالارقام المواقف المختلفة. اذا كانت مساحة الضفة الغربية وقطاع غزة نحو من 6200 كيلومتر مربع، فقد كان يمكن ان نقول إن أشد المواقف تطرفا أراد ضم هذه المساحة كلها، في حين أن المواقف المتوسطة، لنفرض موقف حزب العمل المعتدل، أرادت أن تضم 20 او 30 في المائة منها فقط وذلك في الأساس لأسباب أمنية أو عدم رغبة في ضم أراض فيها مجامع مكتظة من السكان.
كان عند الأحزاب المتدينة تقديرات وأماكن ومناطق مقدسة من ناحية تاريخية يجب ضمها، أما أصحاب المواقف المعتدلة جدا فاكتفوا بتعديلات حدودية طفيفة في القدس الشرقية، من أجل تمكين اليهود من الوصول الحر الى المدينة القديمة.
وهكذا ولمدة سنين كان يستطيع الشخص، نظريا على الأقل، أن يبين موقفه السياسي بأن يعبر عنه برقم واضح، وحصلت الفروق بين المواقف السياسية المختلفة بين اليمين واليسار، والفروق الدقيقة السياسية بين أعضاء الحزب نفسه، على تعبير دقيق بين أحيانا الموقف بيانا أفضل من كل تفسير لفظي مفصل.
كانت تلك نقاشات نظرية فحسب، بين الاسرائيليين أنفسهم، لأن الفلسطينيين الأشد اعتدالا رأوا (وبحق في رأيي) حدود 1967 الحدود الدنيا للدولة الفلسطينية، لكن ما لم يبدأ تفاوض واضح ملزم، استمر الاسرائيليون على لعبة الأرقام. كان يجب من آن لآخر تحديث الأرقام، سواء أكان ذلك بسبب مستوطنة أصبحت في هذه الاثناء مدينة أصبح اقتلاعها شديد التعقيد، أم بسبب الانفصال من غزة الذي حدث بمرة واحدة 370 كيلومتر مربع من حساب التنازلات على علم بأن المنطقة التي سلمت للفلسطينيين لن تكون بعد ذلك موضوعا للاختلاف في اسرائيل.
لكن هذه الجدالات التقليدية انتهت في السنين الاخيرة أيضا. فالمواقف الدولية التي أخذت تصبح واضحة صارمة من اقرار حدود 67 على أنها الحدود الفاصلة بين اسرائيل وفلسطين، والمعرفة التي تتسع بأنه لن يكون من الممكن ضم المناطق والحفاظ على طابع دولة اسرائيل الديمقراطي – اليهودي، أدخلا صيغة "دولتين للشعبين" على أنها موقف سياسي مقبول عام، ولم يعد موقف المعسكر اليساري – الحمائمي فقط. بل أعلن رئيس الحكومة اليميني البارز نتنياهو أنه يقبل مبدأ الدولتين.
بيد أن وهنا تأتي النقطة المركزية في هذه المقالة – هذا الاعتراف السياسي المعتدل المهادن، الذي أصبح مشتركا بين الجمهور في اسرائيل على أنه الحل الوحيد للسلام، هو اليوم طبقة شوكولاطة فقط على جوزة صلبة. أي أن موقف "الدولتين" أصبح موقفا رسميا حسنا مريحا، يعطي أصحابه سمة المهادن الطالب للسلام، لكن أخذت تنشأ من ورائه، حتى بين أناس كانوا في الماضي معتدلي الآراء، جوزة صلبة لم تعد عقائدية أو أمنية، بل أصبحت جوزة صلبة من التشاؤم المتعلق بمجرد امكان التوصل الى حل.
قبل 20 سنة اعتقد الحمائم المعتدلون أننا اذا انسحبنا فقط من المناطق سيأتي السلام. اما اليمين الصخري فقال – اذا ضممنا المناطق وبنينا هناك مستوطنات كثيرة، فسيقبل العالم والفلسطينيون ذلك على أنه حقيقة مقضية ويسلمون لذلك. هذا التفاؤل الاسرائيلي، من الطرفين، ضعف جدا وحل محله شعور عام بتشاؤم عميق، غير سياسي في جوهره، لم يعد يتغذى بمبادىء عقائدية او بمخاوف أمنية بل بعجز داخلي، مصيري لا أمل فيه، يناقض مناقضة تامة روح المبادرة والابداع التي كانت موجودة في اسرائيل في الماضي. لم يفقد اليهود حتى في أصعب الفترات من تاريخ النزاع ايمانهم بأن السلام ممكن ولهذا سيأتي حتما أيضا.
"صحيح"، كما يمكن أن نسمع أحيانا اسرائيليين كثيرين يقولون "حل الدولتين هو الوحيد الممكن لاحداث السلام، لكننا لن نستطيع أبدا اقتلاع المستوطنات بغير احداث حرب أهلية دامية بيننا. كذلك تقسيم القدس في عاصمتين ضروري للسلام، لكنه أصبح غير ممكن حتى لو كنا مستعدين لذلك. وماذا سنفعل بعد السلام اذا طلب الفلسطينيون العودة الى حيفا ويافا؟ وماذا سيكون اذا سيطرت حماس على الدولة الفلسطينية"؟
باختصار هذه حجج من حجج مختلفة ترمي الى البرهان على أن السلام غير ممكن من جهة موضوعية، لا بسبب موقف صقري – عقائدي. وهكذا برغم أن صيغة السلام ومبادئه قد أصبحت واضحة مقبولة عند أكثر الشعب، يسيطر في واقع الأمر شلل واغتراب سياسي، وعدم اكتراث وجبرية، قد تهيىء للحرب المقبلة في المنطقة والعياذ بالله.
أ.ب يهوشع
يديعوت 12/05/2010