لكن فهم اللبنانيين للمقصود من هذه التسمية وهو الامن الذي لا يحتمي بالسياسة،او لا تغطيه السياسة وسياسيوها جعل من القضية حدثا بالنسبة اليهم.
جاءت اللحظة، نزلت القوى الامنية بمختلف أنواعها الى الارض، اختيرت الضاحية الجنوبية مكانا اول للتجربة الامنية سحباً لحجة كانت دائما تتحدث عن عدم قدرة الامن على الدخول الى المنطقة. باشرت القوى الامنية دورياتها نُصبت الحواجز وبدا التدقيق والتفتيش لدرجة ظن البعض أن الامن يستعاد الى لبنان من بوابة الضاحية ، لكن ما هي إلا ساعات حتى سقط لبنان في أتون العنوان الامني الذي رفعه.
ظاهرة قطع الطرقات وإشعال الاطارات تبين أنها الاخطر والاقوى على الارض اللبنانية، فامام أعين الامن وشهره كله اقفلت لدقائق منطقة طريق المطار من قبل شبان مجهولين، لتنتقل العدوى لاحقا إلى مناطق في بيروت، لكن الفعل الاخطر جاء من الجنوب.
أنصار الشيخ احمد الاسير قرروا في لحظة غير مناسبة للعنوان الامني أن ينصبوا الخيم وأن يقفلوا الطريق الساحلي الذي يربط عاصمة الجنوب صيدا ببقية المناطق. مُنع المرور ليس لساعات وانما لايام مستمرة كما قالوا، زُرع الخوف في قلوب المارة ليسقط بكل ذلك الامن الذي لم يصمد ليوم واحد حتى.
قد يبدو ذلك عجيبا من الوهلة الاولى لكن بالنسبة الى اللبنانيين كل ما يجري لا يخرج من دائرة اهتزاز دخلها لبنان منذ مدة وسط اشارات انذرت بالكثير، أوضحها انطلق مع طرق بعض الدول العربية باب دعوة رعاياها الى مغادرة الاراضي اللبنانية، وعدم تغير هذه الدول لموقفها برغم كل الاتصالات التي جرت معها وبرغم زيارة رئيس البلاد لبعض منها، حينها بدأ الكل يتهامس أن هذه الدول تمتلك من المعلومات ما يدفعها إلى هذا التوجه الصارم. وازدادت هذه القناعة مع انطلاق شرارة الاوضاع الملتهبة في الشمال، لتنضم بيروت إلى ميدان الهجوم والهجوم المضاد، ومن ثم المخيمات الفلسطينية، والان تتقدم الى الواجهة مدينة صيدا الجنوبية بكل ما تمثل من ربط بين أهل السنة في لبنان وبقية قرى الجنوب الاخرى الشيعية بمعظمها.
لافت كل ذلك، لكنه بالمحصلة يعني شيئا واحداً، الارض مشتعلة في لبنان، قد تختلف زوايا وعناوين ومطالب وطرق وأشكال التحرك على الارض، لكن قواسمها المشتركة كثيرة، وأعمقها أن لا أمن يستطيع ضبط شوارع متفلتة، ولا أمن نظامي له القدرة على مواجهة افراد أو جماعات لا تنتظم تحت عنوان معين.
هي مقدمات لغة الحرب غير المعلنة تتربع على عرش الاحداث هنا، لم ترقى بالتاكيد إلى ميدان الحرب العنيفة ، لكنها أشكال متنقلة تذكر اللبنانيين بعد اكثر من 37 عاما على إندلاع شرارة حربهم الاهلية في العام 1975 أن الحرب لا يزال لها مكاناً بينهم، وأن عودتها ممكنة في أية لحظة، وأن ما يعيشونه ليس سوى مقدمات شهدوا مثيلا لها في يوم من الايام، فهل من يتعظ؟
*فاطمة عواضة-بيروت